الذخيرة القانونية الذخيرة القانونية
random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

32 سنة على قانون 23 ماي 1994 المنظم لمهنة عدول الإشهاد: بين رمزية الذكرى وضرورة المراجعة

 

32 سنة على قانون 23 ماي 1994 المنظم لمهنة عدول الإشهاد: بين رمزية الذكرى وضرورة المراجعة

 32سنة على قانون 23 ماي 1994 المنظم لمهنة عدول الإشهاد: بين رمزية الذكرى وضرورة المراجعة.

بقلم الأستاذ الصادق الضيفاوي عدل إشهاد بالقيروان.

تمرّ اليوم ذكرى صدور قانون 23 ماي 1994 المنظم لمهنة عدول الإشهاد في تونس، وهي مناسبة لا ينبغي أن تُختزل في استحضار رمزي لنص قانوني، بقدر ما تفرض وقفة تقييم موضوعية لمسار مهنة لعبت تاريخيًا دورًا محوريًا في توثيق المعاملات وحماية الحقوق.

فبعد اثنين وثلاثين عامًا من دخول هذا القانون حيّز النفاذ، يظل السؤال مطروحًا بإلحاح: ماذا كسب عدول الإشهاد فعلًا ؟


من حيث المبدأ، لا يمكن إنكار أنّ قانون 1994 مثّل خطوة نحو تأطير المهنة قانونيًا، عبر ضبط شروط الالتحاق بها، وتنظيم المسؤوليات، وإرساء هياكل تمثيلية. غير أنّ هذا المكسب ظلّ في جانب كبير منه شكليًا، إذ لم يُترجم إلى ديناميكية تطوير حقيقية. فقد بقيت الهياكل المهنية محدودة التأثير، وضعيفة الحضور في صياغة الخيارات التشريعية، بما جعل المهنة في موقع المتلقي بدل الفاعل.


على مستوى الجوهر، كرّس القانون ما يُعرف بـ”الحجة العادلة” كوسيلة إثبات ذات قيمة قانونية، وهو مكسب مهم في ذاته. لكن هذه الحجية بقيت منقوصة الأثر، نظرًا لغياب القوة التنفيذية المباشرة في أغلب الحالات، وهو ما يحدّ من نجاعة المحرر العدلي ويُبقيه رهين المرور الإجباري عبر القضاء. 

وفي ظل المقارنة مع أنظمة قانونية أخرى، يبدو واضحًا أنّ دور عدل الإشهاد في تونس لم يبلغ بعد المستوى الذي يؤهله ليكون فاعلًا مركزيًا في تحقيق الأمن التعاقدي.


الأكثر دلالة، أنّ القانون لم يواكب التحولات العميقة التي شهدها المجتمع خلال العقود الثلاثة الماضية. فقد ظلّ الإطار التشريعي شبه جامد أمام تسارع الرقمنة، وتطور المعاملات الاقتصادية، وتنامي الحاجة إلى أدوات قانونية مرنة وناجعة. فلا وجود لتنظيم فعلي للمحررات الإلكترونية، ولا إدماج حقيقي للتوقيع الرقمي، ولا توسعة تُذكر في مجالات تدخل عدل الإشهاد بما يتلاءم مع متطلبات العصر.


في المقابل، برزت إشكاليات أخرى زادت من تعقيد الواقع المهني، من بينها طبيعة الرقابة الإدارية المسلطة على العدول، والتي اتسمت في كثير من الأحيان بطابع زجري أكثر منه تأطيري. إذ تحوّلت الزيارات الرقابية، في غياب معايير واضحة وشفافة، إلى مصدر ضغط يطرح تساؤلات مشروعة حول حدود الاستقلالية المهنية، ودور الرقابة بين ضمان الجودة واحترام خصوصية المهنة.


ولا يمكن في هذا السياق إغفال التراجع النسبي في المكانة المهنية لعدل الإشهاد، سواء من حيث دوره في المنظومة القانونية أو من حيث وضعيته الاقتصادية. فالتعريفات المعتمدة لم تعد تعكس واقع المعاملات، والاختصاصات بقيت محدودة، في وقت توسّعت فيه أدوار مهن قانونية أخرى بشكل لافت.


إنّ قراءة هادئة ولكن صريحة لحصيلة 32 سنة من تطبيق قانون 23 ماي 1994 تقود إلى نتيجة أساسية: لقد وفّر هذا النص حدًا أدنى من التنظيم، لكنه لم ينجح في إرساء مهنة حديثة، قوية، ومواكبة للتحولات. وهو ما يجعل من هذه الذكرى مناسبة لا للاحتفاء فحسب، بل لإطلاق نقاش جدي حول مستقبل المهنة.


فالإصلاح اليوم لم يعد خيارًا مؤجّلًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، من خلال مراجعة شاملة للإطار القانوني، وتوسيع اختصاصات عدل الإشهاد، وإدماج الرقمنة بشكل فعلي، وإعادة التوازن في العلاقة مع السلطة الإدارية وبقية الفاعلين في الحقل القانوني.


وبين رمزية الذكرى وثقل الواقع، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق المحافظة على النص، إلى منطق تطوير المهنة.

عن الكاتب

الذخيرة القانونية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

الذخيرة القانونية