الذخيرة القانونية

موقع يتعلق بالقانون التونسي

random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

موضوع المبطلات و المسقطات محرر

الجزء الأول: تشابه من حيث الطبيعة القانونية

   يعتبر الجزاء الوسيلة الفعالة لضمان احترام القانون، بحيث انه لولا وجود الجزاء في القاعدة القانونية لكانت هذه الأخيرة ضربا من النصائح والإرشادات، ولجاز للأفراد إتباعها إذا أحبوا ومخالفتها إذا شاءوا ، فالجزاء إذن هو وسيلة للضغط على إرادة الأفراد من أجل احترام مضامين القاعدة القانونية وذلك بقهر الإرادات العاصية بالقوة المادية.
وبذلك يتضمن الجزاء معنى واسعا فهو كل إجراء يسري بواسطته القانون في فرض إرادته كاملا أو حل أخير على المعتدي الذي يرفض الامتثال لأمر قانوني أو قضائي.
وفي مجال قانون الإجراءات الذي تعتبر قواعده حجر الأساس في الخصومة المدنية، والتي تأتي في بداية التدرج الزمني للنظام القانوني الذي يحكم الخصومة وعلى أساسها تحدد فكرة الشرعية بالنسبة لبــــــــاقي طلبات المتقاضين، تثار بشدة طبيعة المسقطات والمبطلات القانونية من حيث أنها الجزاء فـــــــــي قانون الإجراءات ومدى تحقيق هذين المؤسستين  لإلزامية القواعد الإجرائية.
ومحاولة منا التطرق إلى بعض جوانب الموضوع ووقوفا على مظاهر التقارب بين كلى المؤسستين ارتأينا تقسيم هذا الجزء إلى قسمين، حيث سنتناول الحديث عن البطلان والسقوط باعتبارهما جزاء مخالفة القواعد الشكلية الإجرائية (مبحث أول) قبل أن نعرج للحديث عن تقييد البطلان والسقوط لسلطة القاضي (مبحث ثان).

المبحث الأول: البطلان والسقوط هما جزاء مخالفة القواعد الشكلية الإجرائية
   تتضمن الخصومة القضائية إجراءات متعددة، يقوم الخصوم ببعضها وتقوم المحكمة بالبعض الآخر إذ تبدأ هذه الإجراءات بصحيفة الدعوى وتنتهي بالحكم فيها.
   تتميز الدعوى المدنية بإجراءات خاصة تتمثل في جملة من القواعد الشكلية وفي جزاء إجرائي على مخالفة الأصول المحددة قانونا لمباشرتها، السقوط والبطلان هما الجزاء الطبيعي لكل إخلال بإجراءات التقاضي.
   إن التعاطي مع مؤسستي البطلان والسقوط من زاوية أنهما جزاء لمخالفة القواعد الشكلية الإجرائية ليس غاية في حد ذاتها وإنما تفرضه الحاجة الملحة لدراسة جدوى القاعدة الإجرائية.
  تحقق القواعد الإجرائية ضرورة مبادئ عامة تساهم بدورها في حسن سير الخصومة فيصبح جزاء مخالفة هذه القواعد ضمانة لتحقيق النتيجة المنشودة والتصدي لتغليب مصلحة طرف على مصلحة الآخر.
 مبدأ ملكية الدعوى المدنية للأطراف من المبادئ الإجرائية العامة التي تكرسها قواعد الإجراءات المدنية والتجارية، وإن لم يتبنى المشرع التونسي صراحة هذا المبدأ في مجلة الإجراءات المدنية والتجارية. فالقاضي عند النظر في الدعوى مطالب بالنظر فيها بالوقائع التي يدلي بها الخصوم (الفصل 70 من م.م.م.ت) وليس له أن يزيد في الطلبات أو أن ينقص فيها وهو تطبيق لمبدأ حياد القاضي. كما أن مبدأ المواجهة يحتم على الأطراف احترام الآجال (فقرة أولى) وإجراءات التبليغ (فقرة ثانية)
فقرة أولى: السقوط كجزاء لعدم احترام الآجال
  تتنوع الآجال أمام المحاكم فتختلف باختلاف نوع المحكمة المرفوع أمامها النزاع ومكان إقامة المطلوب استدعاؤه كشخص طبيعي أو معنوي.
  يتثبت القاضي عند النظر في ملف الدعوى وذلك حسب المحكمة التي ينتمي إليها وحسب نوع القضية المنشورة أمامه من مدى احترام المتقاضي آجال استدعاءه لخصمه للمثول أمام المحكمة فإن كان التثبت من طرف حاكم الناحية فإنه انطلاقا من الفصل 48 م م م ت فإن المطلوب لا بد أن يمكن من ثلاثة أيام منذ تاريخ استدعائه. وإن كان الحاكم ينظر استعجاليا فإن الاستدعاء ينطلق منه وهو الذي يحدد الاستدعاء في اليوم نفسه أو من ساعة إلى أخرى وذلك حسب تأكد وخطورة موضوع النزاع..
  أما إذا كان النزاع مرفوعا أمام المحكمة الابتدائية فإن القاضي يتأكد من أن المدعي مكن خصمه إذا كان مقيما بتونس من 21 يوما على الأقل من تاريخ بلوغ الاستدعاء إليه للمثول أمام المحكمة. أما إذا كان المطلوب مقيما بالخارج أو كان من المؤسسات العمومية أو الدولة فإنه يستدعى للمحكمة 60 يوما من تاريخ بلوغ الاستدعاء إليه بصورة قانونية. وإذا كان الإعلام قد تم برسالة مضمونة الوصول مع الإعلام بالبلوغ فإن القاضي يتثبت من وجود علامة البلوغ ضمن أوراق الدعوى وما يلاحظ بصورة خاصة أن الآجال في القانون التونسي غير موحدة فأجل الإستدعاء في طور الاستئناف هو عشرون قبل تاريخ الجلسة حسب ما نص عليه الفصل 134 م.م.م.ت. وينزل هذا الأجل إلى 3 أيام في القضايا المنظورة استعجاليا. وفي القضايا التي نص عليها الفصل 89 م م م ت والتي تستدعي الفصل فيها على وجه السرعة لصبغة التأكد التي عليها.
 كما أن آجال الطعن غير موحدة، فأجل الاستئناف العام هو 20 يوما من تاريخ بلوغ الإعلام بالحكم كما يجب للمحكوم عليه (فصل 141 من م.م.م.ت) أما في قضايا الطلاق فهو 30 يوما من تاريخ صدور الحكم القاضي بالطلاق.
  والطعن بالتعقيب محصور في أجل لا يتجاوز 20 يوما من تاريخ الإعلام بالحكم الاستئنافي المطعون فيه بصورة قانونية (فصل 195 من م.م.م.ت). أما في مادة الطلاق فإن أجل التعقيب يرفع إلى ثلاثين يوما من تاريخ الحكم
   وفي قضايا التماس إعادة النظر فإن المشرع بالفصل 158 م.م.م.ت. ينص على أن ميعاد الالتماس ثلاثون يوما من تاريخ الظفر بالسبب الداعي للالتماس" وقد حدد الفصل 156م.م.م.ت. حالات الطعن في الحكم النهائي بالتماس إعادة النظر.
  إن القاعدة التي حددها المشرع لضبط نقطة انطلاق احتساب الآجال بحسب نوع المحكمة تبتدئ من تاريخ العريضة والاستدعاء للمطلوب في الطور الابتدائي ومن تاريخ بلوغ الإعلام بالحكم كما يجب للمحكوم أو تاريخ الظفر بالسبب الداعي لطلب الالتماس. وقد أشار الفصل 141 م.م.م.ت. أن الأجل المضروب للاستئناف عشرين يوما تبتدأ من تاريخ بلوغ الإعلام بالحكم كما يجب للمحكوم عليه ما لم ينص القانون على تاريخ آخر أو طريقة أخرى. وبالفعل نص الفصل 140 م.ا.ع. على أن يوم ابتداء عد مدة الأجل لا يكون معدودا منه و إن قدر بالأيام فإنه يتم عند تمام اليوم الأخير منه. وبالتالي فإن نقطة انطلاق عد الآجال تبتدأ من اليوم الموالي للإعلام بالحكم أو الاستدعاء للجلسة وكذلك عند احتساب المدة فإن اليوم الأخير منها لا يحتسب وعند حلول الأجل يتأمل القاضي إن كان اليوم الأخير منه عيد رسمي اعتبر مكانه اليوم الذي يليه وإن كانت العطلة لأكثر من يومين يزاد من الأجل أكثر من يوم ومما تجدر الإشارة إليه أن آجال الطعن يمكن أن تتوقف أو تنقطع إذا ظهرت الأسباب الداعية لذلك ويمكن حوصلتها في ثلاثة أسباب: موت المحكوم عليه أو فقدانه لأهلية التقاضي أو زوال صفة من كان يباشر الخصومة عنه. مما يفرض إعادة إعلام واستدعاء الورثة أو أطراف النزاع المعنيين به.
  يعود حرص المشرع على ضبط الآجال، رغم تنوعها، بصفة مدققة وتحديد كيفية احتسابها لإيمانه القاطع أن الحق كما يولد يمكن أن يندثر لأنه غاية وليس وسيلة فالمحكمة تثيره من تلقاء نفسها لذلك نص الفصل 13 م م م ت المسقطات كلها وجوبية وتتمسك بها المحكمة من تلقاء نفسها والسقوط (La déchéance, la forclusion) هو الجزاء المستوجب لعدم مراعاة الأجل الذي حدده القانون. أما البطلان فهو الجزاء الذي رتبه القانون في صورة حصول إخلالات إجرائية. 
فقرة ثانية: البطلان كجزاء لعدم احترام إجراءات التبليغ
  حدد المشرع صلب م.م.م.ت الشكليات المستوجبة التي يجب سواء كان على المتقاضين أو على المحكمة إتباعها من ذلك التنصيصات المستوجبة داخل عريضة الدعوى أو إجراءات التبليغ الواجب اتباعها فالقاضي مطالب من التأكد من وصول عريضة الدعوى للمطلوب بصورة قانونية ولا يتم ذلك إلا إذا تم تحديد المقر الذي سيتم فيه التبليغ وتحديد الوضعيات التي يكون عليها المقصود بالإعلام وتم احترام شكليات التبليغ.
 
I-تحديد المقر الذي سيتم فيه التبليغ
 لقد حدد الفصل (7) م. م.م.ت. " المقر الأصلي للشخص هو المكان الذي يقيم فيه عادة والمكان الذي يباشر فيه الشخص مهنته أو تجارته ويعتبر مقرا أصليا له بالنسبة للمعاملات المتعلقة بالنشاط المذكور والمقر المختار هو المكان الذي يعنيه الاتفاق أو القانون لتنفذ التزام أو القيام بعمل قضائي"
II-تحديد الوضعيات التي يكون عليها المقصود بالإعلام.
  عديدة هي الوضعيات التي يكون عليها المقصود بالإعلام وقد نصت الفصول 8 و 9 و 10 م م م ت على وضعيتين يكون عليها وهي المبلغ له المقيم بتونس, ويكون على حالتين, المبلغ إليه المعلوم المقر والمجهول المقر والمقصود بالإعلام المقيم بالخارج.
أ) المقصود بالإعلام المقيم بتونس:
وهنا نفرق بين المبلغ إليه المعلوم المقر والمبلغ إليه المجهول المقر.
        1- المبلغ إليه المعلوم المقر:
  إذا تم التبليغ للشخص نفسه أو في مقره الأصلي أو المختار في صورة وجوده يكون الأمر منتهيا حسب منطوق الفصل 8 م م م ت. أما إذا لم يجد عدل التنفيذ المطلوب إعلامه فعليه حينئذ أن يسلم نظير محضر الإعلام إلى وكيله أو خادمه أو مساكنه شريطة أن يكون مميزا ومعرف بهويته بصورة صحيحة, كما بين قرار الدوائر المجتمعة عدد 6425 المؤرخ في 15/07/1983 وأشار الفصل 8 م م م ت إلى صورتين تحدثان في التطبيق كثيرا. الصورة الأولى هي أن يمتنع من وجده من تسلم النظير والصورة الثانية إن لا يجد بالمقر أحدا فيترك نسخة من محضر الإعلام ويسلم نسخة إلى عمدة المكان إذا كان المقر واقعا في منطقة ريفية ونسخة إلى مركز الشرطة إذا كان المقر في وسط حضري. ويتولى في 24 ساعة توجيه مكتوب مضمون الوصول مع الإعلام بالبلوغ يعلم فيها المقصود بالإعلام بصورة التبليغ. وتجدر الإشارة إلى أن توجيه الرسالة يجب أن يتم بصورة دقيقة وذلك بتوجيهها إلى المقر الأصلي في التاريخ المحدد وبالعنوان المضبوط وقد أكدت محكمة التعقيب في قرارها 9888 المؤرخ في 7/3/1984 " إن تبليغ عريضة الدعوى طبق الفصل 8 م م م ت وتوجيه الرسالة المضمونة بعد 24ساعة مع نقص في العنوان تسبب في عدم وصولها يكون به التبليغ باطلا".
 
  2- المبلغ إليه مجهول المقر:
  بين الفصل 10 م م ت حالتين, الحالة الأولى من كان معلوم المقر ثم أصبح مجهول, والحالة الثانية من كان مجهول المقر ولم يعرف مقر في الماضي والحاضر. في الحالة الأولى يسلم النظير إلى عمدة المكان لآخر مقر معروف أو إلى رئيس مركز الشرطة, في الحالة الثانية يعلق نظير الإعلام بالمحكمة المتعهدة ونظيرا آخر بمركز الولاية. وما يلاحظ في هذه الوضعية أن عدل التنفيذ إذا ما اتبع موجبات الفصل 10 م م م ت يكون التبليغ صحيحا وقانونيا. وهي في الحقيقة افتراض قانوني وضعه المشرع ليكون عليه التبليغ. وليتم اعتباره قد تم ولو لم يتم بصورة فعلية.
ب‌)   المقصود بالإعلام المقيم بالخارج:
 إذا كان المقصود بالإعلام مقيما بالخارج وكان معلوم المقر يوجه نظير الإعلام إلى مقره وفي عنوانه الصحيح بمكتوب مضمون الوصول مع الإعلام بالبلوغ. أما إذا كان مجهول المقر بالخارج فإن النص سكت ولم يتوقع تبليغ افتراضي كما فعل مع مجهول المقر المقيم بتونس, ويمكن القياس عليه في صورة التبليغ لمجهول المقر المقيم بالخارج.
III-احترام شكليات التبليغ:
 إن رقابة القاضي عند النظر في ملف الدعوى تمتد لتشمل الشكليات التي أوجب القانون التبليغ بمقتضاها وقد أشار الفصل 6 م م م ت إلى عديد البيانات التي من الواجب أن تضمن في محضر التبليغ واستعمل المشرع صيغة الوجوب " يجب أن تشتمل على ما يأتي", وتعداد البيانات على سبيل الحصر تحقق 3 غايات ، الغاية الأولى الوصول إلى احترام مبدأ المواجهة بين الخصوم وتوفير كل الإرشادات اللازمة للمطلوب والغاية الثانية ضمان أكبر قدر من النزاهة في التبليغ والإعلام, أما الغاية الثالثة إضفاء الصبغة الرسمية على المحاضر التي يحررها العدل المنفذ بوضع توقيعه اعتبارا أن العدل المنفذ هو مأمور عمومي وبذلك يعتبر الاستدعاء حجّة رسمية على معنى الفصل 442 م ا ع.
  وعلى هذا استقر موقف فقه القضاء التونسي, وخاصة الدوائر المجتمعة القرار عدد 27728 المؤرخ في 13 أفريل 1995 الذي جاء فيه " وحيث اقتضى الفصل 6 م م م ت وجوب تضمين محضر العدل المنفذ بيانات منها ما جاء بالفقرة 6 منه المتعلقة بوجوب إمضاء العدل المنفذ على كل من الأصل والنظير وهو إجراء أساسي باعتبار أن العدل المنفذ مأمور عمومي وأن محضر الاستدعاء هو حجة رسمية على معنى الفصل 442 م ا ع, وأن عدم إمضاءه من ذلك المأمور العمومي يفقده صبغة الحجة الرسمية ولو توفرت البيانات الأخرى".
   المبحث الثاني: البطلان والسقوط يقيدان سلطة القاضي
  لم يترك المشرع التونسي مسألة سقوط الدعوى أو بطلانها لسلطة القاضي التقديرية لما يمكن أن ينجر عن ذلك من تضارب في الأحكام القضائية لذلك فإن القاضي عند تعهده بالخصومة المطروحة أمام أنظاره مطالب بإثارة المسقطات والمبطلات من تلقاء نفسه (فقرة أولى) ولا يملك سوى التصريح بسقوط أو بطلان الدعوى (فقرة ثانية)
فقرة أولى: يثير القاضي المسقطات والمبطلات من تلقاء نفسه
  يقوم مبدأ ملكية الدعوى المدنية للأطراف على فكرة أن النزاع المدني لا يهم بالأساس إلا مصلحة المتقاضين فهم اللذين يرفعون دعواهم ويضبطون محتواها من حيث الطلبات والموضوع وكذلك إنهاء الخصومة ويسيطرون على الدعوى سواء على مستوى وجود الخصومة أو على مستوى تحديد مادة النزاع. إلا أن الدعوى المدنية لا تثير فحسب مصلحة الأطراف المتنازعة، فهناك من المسائل المثارة ما يهم سلامة تطبيق القانون وبالتالي ما يهم المصلحة العامة أو النظام العام.
   ينص الفصل 13 من م.م.م.ت على أن "المسقطات كلها وجوبية تتمسك بها المحكمة من تلقاء نفسها".
    جاءت عبارات الفصل 13 من م.م.م.ت عامة وصارمة فهي تستنفذ الجزاء الذي رتبه المشرع في جميع حالات السقوط ولا تترك مجالا للقاضي لإعمال سلطته التقديرية فكل المسقطات وجوبية تثيرها المحكمة من تلقاء نفسها ولو لم يثرها الأطراف سواء كان ذلك سهوا أو عمدا.
   هنا يبرز لأول وهلة الدور الغير حيادي والمبادر للقاضي فيما يتعلق بالنظام العام الإجرائي، وفي الحقيقة فإن هذا الدور ليس إلا تطبيقا لإرادة المشرع وتسليما بمنطوق الفصل 13 من م.م.م.ت بل هو مجرد إعادة نسخ لهذا الفصل. وهو ما تؤكده قرارات محكمة التعقيب في هذا الإطار حيث جاء على لسان المحكمة في القرار التعقيبي عـ51605ـدد مؤرخ في 24 فيفري 1998  " حيث استقر فقه قضاء هذه المحكمة أن استدعاء الخصوم للجلسة يجب أن لا يقل عن عشرين يوما دون احتساب يوم التوجه ويوم التبليغ ويوم الجلسة وبخلافه يسقط الإستئناف وحيث أن المسقطات كلها وجوبية وعلى المحكمة أن تثيرها من تلقاء نفسها عملا بالفصل 13 من م.م.م.ت" .
  كما تضيف المحكمة في القرار التعقيبي عـ20311ـدد مؤرخ في 23 جانفي 2003 "وحيث تبين بالإطلاع على محضر الإعلام بالحكم المطعون فيه المدلى به من الطاعنة نفسها والمحرر بواسطة عدل التنفيذ خالد المكاري حسب رقيمه عـ3626ـدد أن الإعلام وقع بتاريخ 27 جوان 2002 في حين أن لطعن بالتعقيب رفع بتاريخ 18 جويلية 2002 أي بعد انقضاء الأجل القانوني ولم ينص القانون على أجل آخر ولم يكن اليوم الأخير يوم عيد حتى يمتد الأجل إلى اليوم الموالي لإنتهاء العيد فلزم ترتيب الجزاء المنصوص عليه بالفصل سالف الذكر وهو السقوط وحيث أن المسقطات كلها وجوبية تتمسك بها المحكمة من تلقاء نفسها عملا بأحكام الفصل 13 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية" 


 الجزء الثاني: اختلاف من حيث الآثار القانونية

   المبحث الأول: البطلان يؤدي إلى استبعاد الإجراء المشوب بخلل دون التأثير على الحق
ينص الفصل 14 من م.م.م.ت في على أن "يكون الإجراء باطلا إذا نص القانون على بطلانه أو حصل بموجبه مساس بقواعد النظام العام أو أحكام الإجراءات الأساسية وعلى المحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها أما مخالفة القواعد التي لا تهم غير مصالح الخصوم الشخصية فلا يترتب عليها بطلان الإجراء إلا
متى نتج عنها ضرر للمتمسك بالبطلان وبشرط أن يثيره قبل الخوض في الأصل".
 يستشف من هذا الفصل أن المشرع رتب آثارا لبطلان الدعوى تختلف باختلاف نوع البطلان إن كان مطلقا (فقرة أولى) أو نسبيا (فقرة ثانية)
الفقرة الأولى: آثار البطلان المطلق
للبطلان المطلق أثر مباشر وهو اعتبار الإجراء المشوب كأن لم يكن (1) وأثر غير مباشر وهو بطلان الإجراءات اللاحقة (2).
1- إعتبار الإجراء كأن لم يكن 
 نص المشرع التونسي على أن للبطلان المطلق ثلاث حالات.
أولا إذا نص القانون على ذلك ولتحديد هذه الحالات وجب الرجوع إلى النصوص المتفرقة للتعرف عليها ومن أمثلة ذلك ما نص عليه القانون صلب الفصل 11 والفصل 71 والفصل 92 من م.م.م.ت وغيرها من النصوص الأخرى التي نصت صراحة على البطلان.
ثانيا إذا وقع المساس بقواعد النظام العام وعلى المستوى الإجرائي فإن "مناط النظام العام يكمن في الغاية التي من أجلها وضع الإجراء" واعتبارا لتذبذب هذا المفهوم فإن القاضي مطالب بتقدير الإجراء الذي فيه مساس بقواعد النظام العام وتوظيف الجزاء الذي رتبه القانون. وعليه وعلى هذا الاعتبار تعامل فقه القضاء التونسي مع هذا المفهوم في العديد من القرارات بحيث أنه بالتمعن في عمل المحاكم يمكن معرفة الإجراءات التي تمس قواعد النظام العام من ذلك أن مخالفة مواعيد أو آجال الحضور أو مخالفة الفصل 6 من م.م.م.ت  أو عدم اطلاع النيابة العمومية في حالات العرض الوجوبي عليها المنصوص عليه بالفصل 251 من م.م.مت أو مخالفة قواعد التبليغ المنصوص عليها بالفصول من 8 إلى 11 من م.م.م.ت، إخلالات فيها مساس بالنظام العام.
ثالثا إذا وقع المساس بالإجراءات الأساسية فالإجراء الأساسي هو ما نص على وجوبه المشرع لغاية حسن سير القضاء واحترام حقوق الدفاع والمساواة أمام مرفق القضاء ويصبح المفهوم واسع ويخضع لإجتهاد القاضي عند تقديره للإجراء هل أن الإخلال به يعطل سير القضاء ويحرم أحد الأطراف من حقه في الدفاع عن نفسه، وقد استعمل فقه القضاء مفهوم الإجراء الأساسي كلما كان الإجراء يكتسي أهمية قصوى في ضمان حسن سير الخصومة أمام القضاء. واعتبرت الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب "إن عدم إمضاء العدل منفذ هو إجراء أساسي" . كما أن عدم ذكر العنوان بدقة هو خرق لإجراء أساسي
  ففي هذه الحالات الثلاث فإن جزاء الإخلال هو البطلان المطلق الذي يعيب الإجراء ويرتب رفض الدعوى لعدم استيفائها لشروطها الشكلية التي أوجب القانون توفرها وبالتالي فإن الإجراء يعتبر كأن لم يكن.
2- بطلان الإجراءات اللاحقة
 يتسبب بطلان الإجراء بمقتضى نص صريح أو في صورة المساس بالنظام العام أو الإجراءات الأساسية، في بطلان جميع الإجراءات اللاحقة للإجراء المشوب، لكن بشرط أن يكون الإجراء اللاحق مبنيا على الإجراء الباطل. "فما بني على باطل فهو باطل".
  لذلك فإن بطلان إجراء من الإجراءات التي نص عليها الفصل 8 من م.م.م.ت يؤدي إلى بطلان التبليغ برمته فمحضر الإبلاغ المعتمد قانونا هو المحضر الحائز للإجراءات الأساسية الواردة بمجلة المرافعات المدنية والتجارية "حيث اقتضى الفصل الثامن من نفس المجلة أن النظير يسلم إلى الشخص نفسه أو في مقره الأصلي أو في مقره المختار فإذا لم يجد العدل المنفذ المطلوب إعلامه في مقره عليه أن يسلم محضر الإعلام إلى وكيله أو لمن يكون في خدمته أو ساكنا معه بشرط أن يكون مميزا ومعرفا بهويته وإذا لم يجد العدل منفذ أحدا يترك له نسخة من محضر الإعلام بالمقر ويسلم نسخة أخرى إلى عمدة المكان أو إلى رئيس مركز الشرطة الذي بدائرته ذلك المقر ويوجه له في ظرف أربع وعشرين ساعة مكتوبا مضمون الوصول مع الإعلام بالبلوغ يعلمه فيه بتسلم النظير كيفما ذكر ولزوم الإدلاء بما يثبت الإبلاغ غير وارد بالنسبة للقضايا المنظورة استعجاليا"
 من ذلك أيضا أن الشفيع الذي لا يحترم مقتضيات الفصل 111 من م.ح.ع وعدم تقديمه لما يفيد عرضه على المشفوع ضده كامل ثمن المبيع ومصاريف العقد يؤدي إلى بطلان دعوى الشفعة فتخلف الشفيع "(...) عن عرض كامل المصاريف وإخلاله بذلك الواجب كلا أو بعضا عند القيام وخلال الأجل القانوني يترتب عليه حتما سقوط حق القيام بالشفعة طبقا للفصلين 111 و 115 من م.ح.ع .
كما أن بطلان الإجراء يمكن أن يؤدي إلى سقوط الأجل " حيث لم يدل الطاعنون ببطاقة الإعلام بالبلوغ حتى تتأكد المحكمة من تبليغ خصومهم بنسخة من مستندات التعقيب وبذلك أخلوا بإحدى الواجبات المفروضة عليهم بالفصل 185 السالف ذكره فأصبح من المتجه نتيجة لذلك الحكم بسقوط طعنه ضرورة أن المسقطات كلها وجوبية عملا بالفصل 13 من تلك المجلة."
الفقرة الثانية: البطلان النسبي
تحدث الفصل 14 من م,م,م,ت في فقرته الثانية على أن مخالفة القواعد التي لا تهم غير مصالح الخصوم الشخصية لا يترتب عليها بطلان الإجراء إلا متى نتج عنها ضرر للمتمسك بالبطلان وبشرط أن يثيره قبل الخوض في الأصل. فالبطلان هنا مربوط بشرطين أولهما الضرر الخاص والثاني عدم الخوض في الأصل.
 من هذا المنطلق فنسبية البطلان مردها وجود حالتين الأولى حالة وجود آثار للبطلان النسبي (1) والثانية حالة عدم وجود آثار للبطلان النسبي (2).
1-    حالة وجود آثار للبطلان النسبي
تبطل إجراءات الدعوى المدنية إذا ما كان الإجراء المشوب يمس من المصلحة الخاصة للاطراف وهنا يثير صاحب المصلحة البطلان قبل الخوض في الأصل لكي يكون قيامه ذي جدوى. لذا قبل التعرض لحالات المساس بالمصلحة الخاصة أو ما يمكن أن يعبر عنه بالضرر الخاص (ب) وجب تبيان شروط الضرر (أ).
أ‌-        شروط الضرر
لم يعرف المشرع التونسي الضرر إلا أنه يمكن تعريفه على أنه كل مساس بحق من حقوق الإنسان أو بمصلحة من مصالحه المشروعة. وغالبا ما يقع تعريف الضرر انطلاقا من مكوناته أو شروطه وهي أولا أن يكون محققا، وهو الضرر المحقق الحدوث سواء كان حالا أي وقع فعلا أو مستقبلا إذا كان وجوده مؤكدا. ثانيا أن يكون مباشرا ثالثا أن يصيب حقا أو مصلحة مشروعة للمتضرر.
 أما المقصود بالضرر الوارد بالفقرة الثانية من الفصل 14 من م.م.م.ت فإن العبارات التي استعملها المشرع تبدو غير دقيقة، فالإجراءات التي تخص مصلحة الخصوم فقط لا يمكن أن تؤدي إلى البطلان إلا متى نتج عنها ضرر للطرف المتمسك بالبطلان فالسؤال المطروح هنا هل أن كل ضرر يمكن أن يتمسك من أجله مدعيه بالبطلان؟ ما هو أو ما هي المعايير التي يمكن أن تعتمدها المحكمة في تعيين الضرر المقصود في الفصل 14؟
المتأمل في مفهوم الخصومة المدنية وما تقوم عليه من مبادئ إجرائية عامة يلاحظ أن المشرع التونسي ترك مجالا متسعا لاجتهاد القاضي للتصريح بالبطلان في هذه الحالات تحت رقابة محكمة التعقيب. إلا أن محكمة التعقيب لم تتوان عن التأكيد على أن "الأحكام في المادة الإجرائية لا يجوز أخذها بطريق التأويل أو التفسير أو القياس"]،  فالمشرع لم يوكل أمر تقرير المبطلات والمسقطات للمحكمة.
 لذلك يمكن القول أن الضرر المقصود يمكن أن يكون الضرر الناتج عن عيب، بحيث يفقد هذا العيب الإجراء الغرض الذي قصد المشرع تحقيقه منه. وهذا في الحقيقة يتماهى مع الحالات التي تستوجب بطلان الدعوى التي أقرها المشرع صلب مجلة المرافعات المدنية والتجارية لكن لا يتطابق معها.
فحرص المشرع صلب الفصل 8 من م.م.م.ت على بلوغ الاستدعاء للمدعى عليه أينما وجد، في مقره الأصلي أو المختار أو في حالة عدم وجوده، لا يعدو أن يكون إلا " حرصا من المشرع على أن لا يتخذ أي إجراء في مغيب الخصم الآخر وبدون علمه تحقيقا لمبدأ المواجهة بين الخصوم" وهو في نهاية الأمر تطبيقا لمبدأ المحافظة على مصالح الدفاع.
 كما أن القيام على أحد الورثة دون البقية في دعوى تعلقت بأرملة للخروج من مكرى لعدم الصفة لا يمكن أن يبطل الدعوى لعدم احترام مقتضيات الفصل 71 من م.م.م.ت وبالتحديد الفقرة الأولى منه، باعتبار أن بقية الورثة غادروا المحل
من ذلك أيضا " أن المشرع التونسي لم يرتب أي جزاء عند الإخلال بواجب التنبيه على المستأنف عليه بتقديم رده على أسانيد الإستئناف بواسطة محام في أجل أقصاه يوم الجلسة وأن تطبيق أحكام الفصل 71 مرافعات مدنية في هذا الخصوص مبناها الذهول عن أن مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 134 المشار إليه لا تنطبق إلا في خصوص ما يحصل في محضر الاستدعاء من نقص أو خطا في بيان اسم ولقب المستأنف ضده أو المحكمة أو تاريخ الجلسة أو مواعيد الحضور"
   إلا أن ذلك لا يمنع من البحث في شروط أو ضوابط تساعد على حصر هذه الإخلالات التي تهم مصالح الخصوم الشخصية والتي يمكن أن ينتج عنها ضرر للمتمسك بالبطلان.
  أولا يتوجب الضرر إذا كان العيب أو الإخلال فيه إهدار لحق من حقوق الخصم أو تفويت مصلحة له.
ثانيا يتوجب على من يتمسك بالضرر إثبات ذلك الضرر أي إثبات الإخلال الشكلي.
ثالثا يجب أن يكون هناك علاقة سببية تربط بين الإجراء المعيب والضرر الناجم عن هذا العيب الشكلي.
ب- حالات المساس بالمصلحة الخاصة  
رغم صعوبة تحديد معنى عبارة "الإجراءات التي تهم مصالح الخصوم الشخصية" الواردة بالفقرة الثانية من الفصل 14 من م.م.م.ت إلا أن ذلك لم يمنع البعض من الفقهاء من البحث في المقصود من هذه المصطلحات. والمستقر عليه فقها في هذا الخصوص أن الإجراء إذا لم يكن من متعلقات النظام العام أو الإجراءات الأساسية فهو لا يهم إلا مصلحة الخصوم الشخصية
 من هنا يمكن القول اعتمادا على معياري النظام العام والإجراءات الأساسية، أن الإجراء يكون "ماسا بمصالح الخصوم فحسب كلما اتضح أن الغاية من وضعه ليست المصلحة العامة وأن مخالفته لا ينال من بعض المبادئ والقيم الأساسية المسلم بها"
 إلا أن محاولة تعريف مصطلح "الإجراءات التي تهم مصالح الخصوم الشخصية" بربطها بمعياري النظام العام والإجراءات الاساسية لا يخلو من المغامرة باعتبار مرونة هذين المصطلحين.
      بالنظر في القانون المقارن نلاحظ أن بعض التشاريع، مثل التشريع الفرنسي، مرت بمراحل تميزت فيها القاعدة الإجرائية وبالخصوص فيما يتعلق بالبطلان، بتطور تدريجي.
  فبداية بالشكلية المطلقة التي كرسها القانون الروماني والتي مفادها أن البطلان يترتب على كل عيب يشوب الإجراء بصرف النظر عن طبيعة هذا العيب وتأثيره على الإجراء، مرورا بقاعدة " لا بطلان بدون نص" التي كرسها المشرع الفرنسي صلب قانون المرافعات المدنية لسنة ]. وصولا إلى إقرار قاعدة "لا بطلان بدون ضرر"، التي كانت نتيجة لعدم تقيد المحاكم الفرنسية بمضمون قاعدة "لا بطلان بدون نص" وتجاوزها بتبني حالات بطلان خارجة عن نطاق النص التشريعي وذلك في الصور التي يتبين فيها خطورة الإجراء المعيب وشدة آثاره.
  لم يتوسع فقه القضاء الفرنسي في تطبيق قاعدة "لا بطلان بدون ضرر" واقتصر على إعمال هذه القاعدة في حالات عدم احترام الإجراءات الثانوية في مقابل إبطال الإخلالات المتعلقة بالإجراءات الأساسية دون اشتراط وجود ضرر لأحد الخصوم
     أفرز فقه قضاء المحاكم الفرنسية في هذا الإطار تقسيما جديدا بين اجراءات أساسية وإجراءات ثانوية دون أن يقع تحديد معيار واضح لتمييز كلى الإجراءين. وهو ما دفع البعض من الفقه إلى التنبيه إلى غياب معيار واضح يميز كلى الإجراءين وأن محاولة الفصل بينهما تعد عملا تعسفيا
 بالتالي فالمشرع التونسي كرس بصفة صريحة، في الفقرة الأولى من الفصل 14 من م.م.م.ت، قاعدة "لا بطلان بدون نص"، بينما ترك المجال مفتوحا أمام الإجتهادات الفقهية والفقه قضائية لإستبيان حالات "لا بطلان بدون ضرر" باعتماده تركيبة عامة ومصطلحات غامضة ومرنة صلب الفقرة الثانية من نفس الفصل.
   وعلى ضوء ذلك فإنه يصعب رصد معيار واضح ومستقر  لتحديد مفهوم "الإجراءات التي تهم مصالح الخصوم الشخصية"، مما يجعل من عملية تحديد حالات هذه الإجراءات من قبيل المستحيلات، فيكون استبيانها حالة بحالة دون تعداد أو حصر.
  يطرح الأستاذ نور الدين الغزواني بعض الأمثلة للإجراء الذي يكون ماسا بمصالح الخصوم الشخصية، إعتمادا على معيار النظام العام. من ذلك جريان العمل بين المحامين في التعامل بينهم فيما يتعلق بالإعلام بنيابتهم في القضايا وتبادل التقارير وهذه المعاملات لا تتفق وما نصت عليه مجلة المرافعات المدنية والتجارية في هذا الصدد باعتبار أن إجراءات الإعلام بالنيابة وتبادل التقارير ليست من القواعد التي تهم النظام العام لأنه لا علاقة لها بتنظيم القضاء كمرفق عام وإنما جعلت لتيسير عمل المحامين فيما بينهم دون المساس بحقوق الدفاع وكذلك الشأن عند عدم مراعاة القواعد الضابطة لمرجع النظر الترابي للمحاكم
2-    حالة عدم وجود آثار للبطلان النسبي
يستمد البطلان نسبيته في هذه الحالة من امكانية تصحيحه من خلال تصحيح الإجراء المشوب بخلل. يقع تصحيح البطلان إما بواقعة قانونية (أ) أو بحضور الخصم (ب)
أ‌-        تصحيح البطلان بواقعة قانونية
  من الممكن أن يتم تصحيح البطلان نتيجة لواقعة قانونية معينة، فقد نص المشرع التونسي في الفصل 14 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية على أن "مخالفة القواعد التي لا تهم غير مصالح الخصوم الشخصية فلا يترتب عليها بطلان الإجراء إلا متى نتج عنها ضرر للمتمسك بالبطلان وبشرط أن يثيره قبل الخوض في الأصل".
 كما ينص قانون المرافعات المصري في المادة 108 منه على ما يلي "الدفع بعدم الإختصاص المحلي والدفع بإحالة الدعوى إلى محكمة أخرى لقيام ذات النزاع أمامها أو للإرتباط والدفع بالبطلان وسائر الدفوع المتعلقة بالإجراءات يجب إبداؤها معا قبل إبداء أي طلب أو دفاع في الدعوى أو دفع بعدم القبول وإلا سقط الحق فيما لم يبد منها..." وعليه فإن الدفع، على سبيل المثال، بعدم اختصاص المحكمة ترابيا يجب ابداؤه قبل أي دفع آخر وإلا سقط الحق به وإن زوال البطلان يكون نتيجة سقوط الحق.
 وما يلاحظ هنا أن تصحيح البطلان الناتج عن واقعة قانونية لاحقة لا يرجع إلى إرادة الخصم بل إلى نص قانوني وأنه لو حدث التصحيح فإنه يكون بأثر رجعي، وعليه فإن الإجراء يعتبر صحيحا من تاريخ القيام به وليس من تاريخ وقوع هذه الواقعة. 

ب‌-       تصحيح البطلان بحضور الخصم
  إن الغرض من الدعوى كإجراء افتتاحي للخصومة هو استدعاء الخصوم لحضورها أمام القضاء. وقد حدد المشرع شكلية معينة لتحرير الدعوى اشترط فيها أن تتوفر على مجموعة من البيانات ورتب جزاء البطلان عن نقصان بيان من هذه البيانات.
 ومنها ما نص عليه الفصل 71 من م.م.م.ت. حيث جاء فيه ما يلي: "تبطل عريضة الدعوى:
أولا: إذا وقع فيها خطأ أو نقص في بيان اسم أو لقب المدعى عليه أو المحكمة أو تاريخ الجلسة أو إذا لم تقع مراعاة مواعيد الحضور.
ثانيا: إذا لم يقع التنبيه على المدعى عليه بما أوجبته الفقرة الثانية من الفصل 70 أو لم تبلغ إليه نسخة من مؤيدات الدعوى (...)".
  إلا أن المشرع أجاز تصحيح البطلان حيث جاء بالفقرة الثانية من الفصل 71 من م.م.م.ت. أنه "(...) ويزول البطلان بحضور المدعى عليه أو محاميه إذا كان الخلل من الصنف الوارد بالفقرة الأولى (من الفصل 70) وبتقديم الجواب عن الدعوى إذا كان الخلل موضوع الفقرة الثانية"
  وحيث يستنتج من الفصل السابق أن المشرع عمل على تقليص حالات البطلان لما يمكن يتسبب فيه ذلك من تعطيل لمرفق القضاء وضياع الحقوق من أصحابها. وتطبيقا لذلك أقرت محكمة التعقيب عبر فقه قضائها المطرد أنه " اذا كان الاستدعاء الموجه من الطالب للمطلوب بالجلسة قد اختل به شرط من شروط الفصل 70 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية مثل عدم بيان المقر ومع ذلك حضر المستدعى أو محاميه في التاريخ المعين ولم يناقش في ذلك اعتبر الاستدعاء المذكور قانونيا."
  كما جاء أيضا على لسان المحكمة " ان حضور محام المستأنف ضده و تمسكه ببطلان عريضة الاستئناف لعدم التنبيه على منوبه بضرورة تقديم جوابه بواسطة محام يصحح الاجراءات طبقا لأحكام الفقرة الاخيرة من الفصل 71 من م م م ت ضرورة ان كلمة "الجواب" جاءت عامة."
  كما جاء أيضا في أحد قرارات محكمة التعقيب أنه " لئن أوجب الفصل 6 من م.م.م.ت التنصيص بالمحاضر التي يحررها العدول المنفذين على نوع الشركة وعدد ترسيمها بالسجل التجاري إلا أنه لم يرتب عن غياب تلك التنصيصات من المحاضر البطلان وبالتالي فهي تنصيصات تخص مصالح الخصوم هذا من جهة ومن أخرى فإن الفصل 71 من م.م.م.ت لم يرتب البطلان عن عدم ذكر عدد الترسيم بالسجل التجاري فضلا على أن البطلان يزول بحضور المدعى عليه إذا كان الخلل من الصنف الوارد بالفقرة الأولى من الفصل 70 من م.م.م.ت"

   المبحث الثاني: السقوط يؤدي إلى فقدان الحق في اتخاذ الإجراء
     يتميز السقوط بآثاره الخطيرة على حقوق المتقاضين حيث أنه إضافة إلى أنه يؤدي إلي فقدان الحق في التقاضي أي فقدان الحق في اتخاذ الإجراء أمام المحكمة (فقرة أولى)، فإنه يؤدي أيضا إلى فقدان الحق في إجراء التنفيذ المدني (فقرة ثانية).
      فقرة أولى: فقدان الحق في اتخاذ الإجراء أمام المحكمة
    وهي حالات السقوط الإجرائي والتي يفقد فيها المتقاضي حقه في القيام لدى المحاكم وتتعلق من ناحية بآجال القيام ببعض الدعاوي (1) ومن ناحية ثانية بآجال الطعون في الأحكام المدنية (2).
(1)             آجال القيام ببعض الدعاوي
تعد آجال التقاضي المدني مواعيد سقوط تتمسك بها المحكمة من تلقاء نفسها ومن هذه الآجال نذكر آجال القيام بدعوى الطرد التعسفي (أ) آجال القيام بدعوى الشفعة (ب) و آجال القيام بدعوى الحرمان من التسويغ التجاري (ج).
(أ‌)                  آجال القيام بدعوى الطرد التعسفي
ينص الفصل 23 من م.ش. في فقرته الأخيرة على أن "كل دعوى للتحصيل على الغرم من أجل القطع التعسفي لعقد الشغل من أحد الطرفين يجب تقديمها لدى كتابة دائرة الشغل خلال العام الذي يلي القطع وإلا سقطت هذه الدعوى".
 رغم وضوح هذا النص إلا أنه قام جدل فقه قضائي وعدم استقرار في فقه قضاء محكمة التعقيب فيما يخص طبيعة الاجل الذي أورده حيث اعتبر أحيانا أجل سقوط وأحيانا أخرى أجل تقادم.
  إلا أن الراي الغالب يذهب إلى اعتباره أجل سقوط أي أن مدة السنة تحتسب بداية من تاريخ إنهاء العلاقة الشغلية دون اعتبار لأسباب القطع أو التعليق. ويبرر أصحاب هذا الرأي موقفهم بما استنتجوه من عبارة "وإلا سقطت هذه الدعوى" التي لا يمكن أن تفيد إلا سقوط الدعوى معتبرين أن هذا الأجل يدخل في باب المسقطات التي على المحكمة إثارتها من تلقاء نفسها تطبيقا لمقتضيات الفصل 13 من م.م.م.ت. حيث جاء في أحد قرارات محكمة التعقيب أن  " المسقطات وجوبية تتمسك بها المحكمة من تلقاء نفسها وهي غير قابلة للقطع بأي صورة من الصور وقبول محكمة الموضوع لدعوى التعويض بعد مضي أكثر من عام من حصول الطرد بدعوى أن القائم قد قطع المدة المذكورة  بناء على نشر القائم بالدعوى بقضية انتهت بالطرح يعد مخالفا للفصل 23 من مجلة الشغل والفصل 13 من م.م. م. ت. مما يتجه معه النقض "
 وما يؤاخذ عليه أصحاب هذا الموقف أنهم يسحبون مقتضيات الفصل 23 من م.ش على جميع فروع الدعوى الشغلية في حين يذهب الراي المخالف إلى اعتبار أن أجل العام لا يتعلق إلا بدعوى التحصيل على الغرم من أجل القطع التعسفي لعقد الشغل بما يحول دون إمكانية تطبيقه بالنسبة إلى بقية فروع الدعوى الشغلية وهو ما ذهبت إليه بعض القرارات التعقيبية في هذه المسألة وقصرت المسألة على فرع الدعوى المتعلق بالتعويض عن القطع التعسفي لعقد الشغل فقد جاء على لسان المحكمة أنه "حيث اتضح  أن الطاعنة تمسكت بسقوط الحق بمرور  الزمن طبق الفصل 23 من م. ش. وحيث أن القيام بالدعوى بعد مرور عام من تاريخ الطرد وأن هذا الأجل غير قابل للقطع أو التعليق طبق الفصل 13من م.م.م.ت. مما اتجه معه قبول هذا المطعن ونقض الحكم المنتقد في خصوص فرعه المتعلق بغرامة الطرد "
  ويتبين من خلال هذا القرار التعقيبي أنه قصر أجل السقوط على فرع الدعوى المتعلق بغرامة القطع التعسفي لعقد الشغل دون سواها من منح وغرامات، ويبدو أن هذا القرار اعتمد في تأويل أحكام الفصل 23 من م. ش. على الصياغة باللغة الفرنسية للفصل المذكور الذي ورد بها عبارة "à peine de déchéance" وجعل بقية المنح والغرامات خاضعة لأجل تقادم باعتبار أن الصياغة باللغة الفرنسية للفصل147 من م.ش. ورد بها عبارة "التقادم"."Se prescrivent par un délai d un an ".
  إلا أن هذا الرأي لا يسلم من النقد بدوره باعتباره أولا مخالف للقانون المتعلق بنشر القوانين بالبلاد التونسية والذي جاء صريحا في كون النص القانوني المعتمد هو النص المحرر باللغة العربية والصياغة العربية للفصل 23 من م. ش. تصرح بأن الأمر يتعلق بأجل سقوط.
  ثانيا، إن المبادئ العامة للقانون تقتضي أنه: " لا يجوز التمييز حيث لم يميز القانون و معنى ذلك أن هذا الرأي ميز بين طبيعة أجل السقوط بالفصل 23 والفصل 147 من م. ش. فجعل الأول أجل سقوط والثاني أجل تقادم مع أن المشرع استعمل بالفصلين عبارة تسقط الدعوى.
(ب‌)              أجل القيام بدعوى الشفعة
   نص الفصل 115 من م.ح.ع على أنه "يجب على المشتري إعلام الشفيع بالشراء بواسطة عدل تنفيذ مع بيان الثمن والمصاريف
 ويسقط حق القيام بدعوى الشفعة بعد مضي شهر من تاريخ محضر إعلامه
وفي صورة تعذر الإعلام فإن القيام بدعوى الشفعة يسقط بمضي ستة أشهر من يوم ترسيم العقد بالسجل العقاري بالنسبة للعقرات المسجلة الخاضعة للمفعول المنشئ للترسيم ومن يوم تسجيل العقد بالقباضة المالية بالنسبة للعقارات المسجلة الغير خاضعة للمفعول المنشئ للترسيم أو العقارات غير المسجلة".
    ما يلاحظ بالنسبة لهذا الفصل أنه ورد ضمن قسم "سقوط الشفعة" كما أنه احتوى على أجلي سقوط يختلفان من حيث المدة الزمنية ومن حيث بداية احتساب أجل السقوط. حيث أنه في الحالة الأولى ضرب المشرع أجل شهر للشفيع من تاريخ إعلامه بالبيع من قبل المشتري وليس من يوم علمه به. أما في الحالة الثانية فالأجل المضروب هو ستة أشهر من يوم ترسيم عقد البيع بالسجل العقاري بالنسبة للعقارات المسجلة الخاضعة للمفعول المنشئ للترسيم ومن يوم تسجيل عقد البيع بالقباضة المالية بالنسبة للعقارات غير المسجلة والعقارات المسجلة الغير خاضعة للمفعول المنشئ للترسيم.
(ج) أجل القيام بدعوى غرامة الحرمان من الكراء التجاري
   جاء بالفصل 27 من القانون عـ37ــدد لسنة 1997 أنه على متسوغ الأصل التجاري "الذي يريد إما النزاع في أسباب الإمتناع عن التجديد التي أدلى بها المسوغ وإما المطالبة بغرامة الحرمان أو الذي يرفض الشروط المعروضة في شأن العقد الجديد، أن يرفع دعواه في الثلاثة أشهر الموالية لتاريخ إبلاغ الإعلام بالخروج أو لجواب صاحب الملك المنبه عليه بمقتضى الفصل الخامس من هذا القانون".
  ويستفاد من هذا الفصل أن أجل الثلاثة أشهر هو أجل سقوط تثيره المحكمة من تلقاء نفسها، وما يؤكد هذا الإستنتاج هو استعمال المشرع لعبارة "Il se trouve forclos" الواردة بنفس الفصل في صياغته باللغة الفرنسية والتي تفيد أن حقه في القيام بالدعوى المشار إليها سابقا قد سقط، ولو كان مقصد المشرع ترتيب جزاء آخر غير جزاء السقوط لوردت عبارة  "prescription" عوضا عن عبارة "forclusion".
(2)             آجال الطعون في الأحكام المدنية
   يعد الطعن امتدادا للخصومة وللمطالبة بالحق وتقسم طرق الطعن إلى طعن عادي وهو الاستئناف وطعون غير عادية وهي الاعتراض والتماس إعادة النظر والتعقيب. ويعتبر أجل الطعن عاملا محددا لصحته.    
    بالنسبة لأجل الطعن العادي يخضع الطعن بالإستئناف لأجل مبدئي نصت عليه الفقرة الأولى من الفصل 141 من م.م.م.ت وهو عشرون يوما من تاريخ الإعلام بالحكم كما يجب للمحكوم عليه. ينسحب هذا الأجل على سائر الأحكام ما لم يعين النص أجلا آخر. أما عند سكوت المشرع فإن أجل العشرين يوما هو المنطبق باعتباره القاعدة العامة. ومثال ذلك الأحكام الصادرة في مطالب الرجوع في الأذون على العرائض القابلة للطعن بالإستئناف عملا بأحكام الفصل 222 من م.م.م.ت. كذلك الأمر بالنسبة لإستئناف الأوامر بالدفع القابلة للطعن بالإستئناف عملا بأحكام الفصل 66 من م.م.م.ت.
  يخضع الطعن بالإستئناف إلى آجال استثنائية ويقصد بها تلك التي يتغير فيها مقدار الأجل إما بالزيادة أو بالنقصان عن عشرين يوما. من ذلك أجل الإستئناف في مادة الطلاق الذي هو ثلاثون يوما من تاريخ صدور الحكم وأجل عشرة أيام من يوم الإعلام بالحكم في مادة عقلة الأجور والمرتبات وكذلك في مادة الإعتراض على قرارات التوظيف الإجباري للأداءات التي يتم استئناف الأحكام الصادرة عن المحكمة الإبتدائية في الدعاوى المنصوص عليها بالفصل 54 من مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية في أجل ثلاثين يوما من تاريخ الإعلام بالحكم.
 أما بالنسبة للطعون غير العادية وهي الإعتراض والتماس إعادة النظر والتعقيب فإن الآجال فيها تختلف من حالة إلى أخرى، فإذا لم يحدد المشرع أجلا محددا لممارسة حق الطعن بطريق الإعتراض فإن منطوق الفصل 169 من م.م.م.ت حين اعتبر أن حق الغير في الإعتراض على الحكم يبقى قائما ما لم يسقط هذا الحق بالتقادم يجعل تصنيف هذا الأجل ضمن آجال السقوط أقرب منه لآجال الطعون.
   أما فيما يتعلق بالطعن بالتماس إعادة النظر فإن الفصل 158 من م.م.م.ت ينص على أجل ثلاثين يوما من تاريخ الظفر بالسبب الداعي للالتماس وهي مسألة تفتقد للدقة باعتبار أن أجل الثلاثين يوما يعد استثنائيا بالنظر إلى نقطة انطلاق سريانه.
  كما أن الطعن بالتعقيب يعد من الطعون غير العادية في القانون التونسي باعتبار أنه يتسلط على الأحكام النهائية ولأسباب عددها المشرع على سبيل الحصر في الفصل 175 من م.م.م.ت ويسقط أجل القيام بالتعقيب، حسب منطوق الفصل 195 من م.م.م.ت، بمرور عشرين يوما من تاريخ الإعلام بالحكم بصفة قانونية. إلا أن هذا الأجل ليس الوحيد للطعن بالتعقيب في الأحكام المدنية ففي الأحكام الصادرة في مادة الأحوال الشخصية فإن هذا الأجل يرفع إلى الثلاثين يوما من تاريخ صدور الحكم.
  كما تقتضي إجراءات الطعن بالتعقيب في الأحكام العقارية القاضية بالتسجيل أو بالترسيم الناتج عن حكم التسجيل أن يرفع مطلب التعقيب في أجل لا يتجاوز الستين يوما من تاريخ صدور الحكم.    
   فقرة ثانية: فقدان الحق في إجراء التنفيذ المدني
   لكي تكون السندات القضائية قابلة للتنفيذ يجب أن تتوفر فيها شروط خاصة (1). فطالما بقيت نافذة المفعول ولم يمض على إصدارها أجل سقوط تنفيذها (2) فإن المحكوم عليه مطالب بالإذعان لمنطوق هذه الأحكام.



1) الشروط الخاصة بالسند القضائي القابل للتنفيذ
    تعتبر سندات تنفيذية على معنى الفصل 286 من م.م.م.ت.، الأحكام المدنية التي أحرزت على قوة اتصال القضاء أو الأحكام التي أذن بتنفيذها الوقتي ولو لم تحرز على اتصال القضاء. وهذه الأخيرة هي تلك الأحكام المحلاة قانونيا أو بقرار من المحكمة بالنفاذ الوقتي، أي أن الاستئناف لا يحول دون تنفيذها كالأحكام المتعلقة بالنفقة أو بالتعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية وكذلك الأذون على العرائض أو القرارات الإستعجالية أو الأحكام المأذون فيها بالنفاذ الوقتي بنوعيه الوجوبي أو الإختياري.
  وتبعا لذلك فإن المحكوم له لا يتوصل إلى اقتضاء حقه فعليا إلا بعد صدور الحكم لفائدته وسعيه لاستخراج نسخة تنفيذية ليتم التنفيذ بمقتضاها. ولا يمكن التنفيذ إلا عن طريق العدول المنفذين باعتبار أن النسخة التنفيذية تتضمن أمر رئيس الجمهورية لسائر العدول المنفذين بالسهر على تنفيذ مضمون الحكم وللوكلاء العامين ووكلاء الجمهورية بأن يساعدوا على ذلك وسائر آمري ضباط القوة العامة بالإعانة على تحقيق تنفيذه عندما يطلب منهم ذلك بصفة قانونية.
   وقد يضطر الطرف الساعي إلى التنفيذ إلى استكمال بعض الإجراءات التي لا يكون بدونها السند القضائي قابلا للتنفيذ من ذلك إصلاح بعض الأخطاء المادية التي تسربت للحكم أو شرح بعض النقاط الغامضة فيه فتصدر في هذا الإطار قرارات الإصلاح والشرح لاستكمال مقومات السند التنفيذي وإعداده للتنفيذ.
  وبالإضافة إلى ما سبق ذكره فإن من شروط قابلية السند القضائي للتنفيذ أن يكون الحكم خالص معاليم التسجيل حسب مجلة معاليم التسجيل والطابع الجبائي وأن لا يمضي على صدور الحكم عشرون سنة دون الإعلام به والشروع في تنفيذه. وهو ما يعتبر من أسباب سقوط التنفيذ المدني.
   
2) أسباب سقوط التنفيذ المدني
   يعتبر التنفيذ من الإجراءات الجوهرية في الدعوى المدنية لما له من أهمية في حصول المتقاضي على حقوقه التي كانت موضوع نزاع فأضحت موضوع تنفيذ. إلا أنه كما أن افتتاح الدعوى تحكمه آجال مسقطة فإن تنفيذ الحكم له أيضا آجال مسقطة. لذلك نص المشرع صلب الفصل 257 من م.م.م.ت. أنه "يبطل العمل بالأحكام بمضي عشرين سنة مسيحية من تاريخ يوم صدوره".   
   لئن كانت عبارة "(...) من تاريخ يوم صدوره" الواردة بالفصل 257 من م.م.م.ت. على درجة كبيرة من الوضوح، إلا أنه طرح جدل بخصوص التمييز بين مضي 20 سنة عن الأحكام المعلم بها وتلك التي لم يقع إعلام المحكوم عليه بمنطوقها.
   مما هو ثابت قانونا أن الأحكام التي مر على صدورها عشرون سنة ولم يقع الإعلام بها تصبح قانونا في حكم العدم ولا يمكن الاعتماد عليها للتنفيذ، وهو أجل سقوط التنفيذ الجبري أما الحكم كسند قضائي فلا يسقط وإنما يبقى ليصبح وسيلة إثبات وحجة مكتوبة رسمية حيث يمكن الاعتماد عليه في إثبات حقوق أخرى استنادا لما يقتضيه الفصل 394 من م.ا.ع. من أنه " لا محل لسقوط الدعوى بمرور الزمان في الحقوق الناشئة عن حكم انتهائي".
  ينطبق أجل العشرين سنة المنصوص عليه بالفصل 257 من م.م.م.ت. على جميع الأحكام القابلة للتنفيذ، إلا انه سجل تباين في الآراء في خصوص أحكام التبتيت الصادرة عن دائرة العقل العقارية بالمحاكم الإبتدائية وطرح إشكال مدى قابلية تطبيق أحكام الفصل 257 من م.م.م.ت. من عدمه عليها. حيث اعتبر شق أن محضر التبتيت هو حكم قضائي قابل للتنفيذ بذاته دون ضرورة لسند تنفيذي آخر ليصبح نافذا. بينما ذهب شق ثان إلى اعتبار أن محضر التبتيت هو عقد بيع قضائي وليس حكما وبالتالي فهو غير قابل للتنفيذ على حالته بل إن نفاذه يستوجب سندا تنفيذيا آخر
 وقد بتت محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة في هذه المسألة معتبرة أنه "ولئن كان البيع الذي تتولاه دائرة العقلات العقارية  بالمحاكم الإبتدائية ذات صبغة عقدية فأن محضر التبتيت الذي تقرر به المحكمة نتيجة التبتيت يصاغ في الشكل العادي للأحكام القضائية وهو سند تنفيذي يكسى بالصبغة التنفيذية ويعلم به المعقول عنه وينفذ ولو بالقوة العامة كما تنفذ سائر السندات التنفيذية"
  أما بالنسبة للأحكام أو السندات القضائية التي وقع الإعلام بها ومر على ذلك أجل العشرين سنة فإن الآراء اختلفت في خصوص سقوطها من عدمه. فقد ذهب رأي أول للقول بسقوط السند القضائي بمرور أجل العشرين سنة وإن وقع الإعلام به. حيث اعتبر أصحاب هذا الرأي أن إهمال الدائن إتمام عملية التنفيذ وسكوته طيلة تلك المدة لا يمكن أن يكون جزاؤه إلا السقوط، مستندين في ذلك على أحكام الفصل 396 (ثالثا) من م.ا.ع. ذلك أن مرور الزمن المعين لسقوط الدعوى ينقطع "إذا اتخذ الغريم عملا من الأعمال القانونية لحجز أموال مدينه لاستيفاء حقه منها أو استأذن من له النظر لاتخاذ تلك الوسائل".
  أما الرأي الثاني فقد ذهب أنصاره للقول بأن سكوت صاحب الحق عن المطالبة بدينه غير مسقط لحقه ولا يترتب عنه إبراء ذمة المدين مستندين في ذلك إلى الفصل 394 من م.ا.ع. الذي ينص على أنه "لا محل لسقوط الدعوى بمرور الزمان في الحقوق الناشئة عن حكم انتهائي". كما يستند أنصار هذا الرأي إلى معطى واقعي متمثل أساسا في تعمد بعض المدينين إخفاء مكاسبهم وتهريبها إلى حين انقضاء مدة العشرين سنة من الإعلام بالحكم.
 وقد حسمت محكمة التعقيب هذه المسألة حينما اعتبرت أنه "يأخذ من الفصل 394 من م.ا.ع. القاضي بأنه لا لسقوط الدعوى بمرور الزمان في الحقوق الناشئة عن حكم انتهائي أن المقصود بالحقوق الناتجة عن حكم انتهائي ليست الحقوق التي تضمنها مضمون الحكم صراحة، فتلك الحقوق لا تستدعي قياما للمطالبة بها وإنما يمكن السعي إلى استفاءها بتنفيذ ذلك الحكم فحسب وحينئذ فإن المقصود بذلك أساسا إنما هي الحقوق غير المصرح بها وهي تلك الحقوق التي تنشأ عن الحكم وبسببه والمترتبة عنه ضرورة.






















عن الكاتب

الذخيرة القانونية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

الذخيرة القانونية