لم يعد من المقبول اليوم بعد أكثر من ثلاثة عقود على صدور القانون عدد 23 لسنة 1994 المؤرخ في 23 ماي 1994، أن تظلّ مهنة عدول الإشهاد أسيرة تصوّر ترابي تجاوزه الواقع وتخلّت عنه فلسفة الدولة ذاتها.
ففي الوقت الذي تتجه فيه تونس إلى إعادة تنظيم ترابها الوطني وفق نظام الأقاليم، لا يزال عدل الإشهاد مقيّداً بحدود ضيقة لا تعكس لا طبيعة نشاطه ولا حاجيات المتعاملين معه.
إنّ الإشكال اليوم لم يعد تقنياً، بل أصبح اختلالاً بنيوياً بين تنظيم المهنة والتنظيم الترابي للدولة.
أولاً: الإختصاص الترابي بصيغته الحالية – قيد غير مبرّر.
يكرّس الإطار القانوني الحالي اختصاصاً ترابياً ضيقاً يربط عدل الإشهاد بدائرة محدودة، في حين أنّ:
- المعاملات أصبحت عابرة للجهات.
- والمتعامل أصبح يبحث عن الكفاءة والسرعة لا عن القرب الإداري.
- ووسائل الاتصال ألغت عملياً مفهوم “المسافة المهنية”.
- إنّ الإبقاء على هذا التصور لا يخدم إلا:
- حماية مواقع مهنية مغلقة.
- وتعطيل مبدأ المنافسة.
- وإضعاف جودة الخدمات.
بل إنّ الأخطر من ذلك، أنّه يتعارض مع مبدأ حرية اختيار الموثّق، الذي أصبح من المبادئ المستقرة في الأنظمة الحديثة.
ثانياً: الإصلاح الحقيقي: اختصاص إقليمي وهياكل مهنية منسجمة معه.
إنّ أي إصلاح جدي لا يمكن أن يقتصر على توسيع مجال تدخل العدل، بل يجب أن يكون إصلاحاً هيكلياً مزدوجاً يقوم على:
بما يسمح لعدل الإشهاد بممارسة مهامه داخل كامل الإقليم، لا داخل دائرة محلية ضيقة.
- إحداث مجالس جهوية/إقليمية لعدول الإشهاد،
- منحها صلاحيات فعلية في التأطير والرقابة،
- مع الإبقاء على هيئة وطنية تضطلع بالدور التعديلي والتوجيهي.
إنّ من غير المنطقي أن تعتمد الدولة تقسيم الأقاليم في التخطيط والتنمية، ثم تُبقي المهن القانونية في تقسيمات قديمة مفكّكة.
ثالثاً: المبدأ الذي لا يقبل المساومة: وحدة المقرّ المهني.
في خضمّ الدعوة إلى توسيع الإختصاص، يبرز خطر حقيقي يتمثّل في الانزلاق نحو:
- التعدّد الفوضوي للمقرات،
- أو الممارسة المتنقلة غير المؤطرة،
- أو ضبابية المسؤولية المهنية.
ولهذا، يجب تكريس مبدأ صارم وواضح:
لكل عدل إشهاد مقرّ مهني وحيد، قارّ، معلوم، وخاضع للرقابة الترابية.
هذا المبدأ ليس قيداً، بل هو:
- ضمانة للشفافية،
- أداة للرقابة،
- أساس لتحمّل المسؤولية،
- حماية لهيبة المهنة.
وبالتالي فإنّ الإصلاح المنشود يقوم على معادلة دقيقة:
- توسيع الإختصاص الترابي.
- تثبيت المقرّ المهني الواحد.
رابعاً: نحو نموذج حديث: حرية مهنية مؤطرة لا فوضى مقنّعة.
إنّ الجمع بين الاختصاص الإقليمي والمقرّ الواحد يفضي إلى نموذج متوازن:
- يحرّر العدل من القيود غير المبرّرة، دون أن يفتح الباب أمام الفوضى.
- يعوّض الرقابة الترابية الضيّقة بـرقابة مؤسساتية ذكية.
كما ينسجم هذا التوجه مع:
- رقمنة الخدمات.
- تطوّر وسائل العمل.
- وحاجيات الاستثمار.

إرسال تعليق