يُعدّ المحرر الرسمي أحد أهم ركائز الأمان القانوني والاستقرار المعاملاتي في النظم القانونية القديمة والحديثة.
وتكتسب العقود والوثائق الموثقة بواسطة عدل الإشهاد صفة الرسمية من العدل ذاته ما يمنحها حصانة قانونية وحجية قاطعة في الإثبات لا يمكن دحضها بسهولة، مما يجعلها أداة حماية للمراكز القانونية وللحقوق والالتزامات بين الأشخاص على اختلاف طباعهم القانونية.
- مفهوم المحرر الرسمي الموثق من عدل الإشهاد وطبيعته القانونية:
المحرر الرسمي هو الوثيقة التي يحررها أو يوثقها مأمور عمومي (كعدل الإشهاد) ممن لهم صلاحية التوثيق قانوناً، وذلك وفق الضوابط والشروط التي يحددها التشريع.
وتتحقق الرسمية في العقد المحرر بواسطة عدل الإشهاد عبر اجتماع ثلاثة عناصر جوهرية:
*امتلاك صفة الموثق: وهو أن يصدر المحرر من عدل إشهاد مأذون له قانوناً بمباشرة مهام التوثيق.
*الاختصاص الترابي والنوعي: معنى ذلك أن يصدر المحرر عن عدل الإشهاد داخل نطاق اختصاصه الإقليمي والنوعي.
*مراعاة الشروط الشكلية: معنى ذلك أن يلتزم عدل الإشهاد بالقواعد والإجراءات المحددة تشريعياً (وهو حضور الأطراف لديه أو التنقل بمجلسهم داخل إختصاصه الإقليمي، التحقق من هوياتهم، بلورة إرادتهم وتكييفها قانونيا، الإشهاد على ذلك وعلى توقيعهم على المحرر، الإشراف رأسا على مختلف مراحل إصدار المحرر الرسمي من تسجيل بالقباضة المالية وإمضاء الجليس وغير ذلك ...
- مظاهر حصانة المحرر الرسمي وحجيته الإثباتية:
تتجلى الحصانة التي يتمتع بها المحرر الرسمي الصادر عن عدل الإشهاد في عدة مظاهر رئيسية:
أ. الحجية القاطعة تجاه الكافة:
يتمتع المحرر الرسمي بحجية مطلقة مفترضة بين المتعاقدين وفي مواجهة الغير، فلا يحتاج المستفيد منه إلى تقديم أدلة إضافية لإثبات صحة ما وُثّق فيه، بل يُعتبر ما ورد فيه حجة حتى يثبت العكس عبر مسارات خاصة واستثنائية.
ب. شمول الحصانة لما دون مباشرة بواسطة العدل
تتسع الحصانة الإثباتية لتشمل:
الوقائع المادية: مثل تاريخ التحرير، مكان إبرام العقد، إثبات حضور الأطراف، وهوياتهم.
تصريحات المتعاقدين: إثبات وقوع التصريحات والإرادات أمام عدل الإشهاد في مجلس العقد.
ج. القوة التنفيذية المباشرة
في العديد من التشريعات، تكتسب بعض العقود الرسمية الموثقة كعقود الزواج سنداً تنفيذياً مباشرا منتجا لأثاره القانونية دون الحاجة إلى الحصول على سند آخر لتنفيذه.
- حدود الحصانة وآليات الطعن في المحرر الرسمي
رغم قوة الحصانة التي يكتسيها المحرر الرسمي، إلا أنها ليست حصانة مطلقة تمنع المساس بها إذا شابتها عيوب جوهرية، غير أن القانون وضع قيوداً صارمة لحماية المحرر الرسمي من الادعاءات الكاذبة من ذلك البحث في نوع الادعاء وآلية التعامل معه، مستوى تأثير ذلك الإدعاء على صحة المحرر كإنكار التوقيع مثلا أو صورية بعض أو كل التصريحات الذي تضمنها المحرر والتي لا تقبل بمجرد إنكارها من المتعاقدين وممن حضر مجلس الإشهاد، بل يجب سلوك إجراءات استثنائية ومعقدة لدعوى طعن بالزور الذي يعد الطريق الوحيد لإسقاط الحجية عما تلقاه عدل الإشهاد ووثقه، وفي صورة ثبوت ادعاء الزور دون وجه حق رتب المشرع عقوبات زجرية وتعويضات مدنية لحماية قيمة المحررات الرسمية وهيئة التوثيق.
- دور عدل الإشهاد في توفير الحصانة الوقائية:
_ لا تقتصر الحصانة على الجانب الإثباتي القضائي، بل تمتد لتشمل العدالة الوقائية التي يمارسها عدل الإشهاد عبر التأكد من أهلية الأطراف ورضاهم والتثبت من خلو الإرادة من عيوب الرضا (كالإكراه والغبن والغلط).
_ التثبت من شرعية الموضوع والامتناع عن توثيق أي اتفاق يخالف النظام العام أو الآداب العامة.
_ تقديم النصح والاستشارة واعلام المتعاقدين بالآثار القانونية المترتبة على التصرف القانوني المزمع توثيقه.
خاتمة:
تشكل حصانة المحرر الرسمي الموثق بواسطة عدل الإشهاد دعامة أساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي؛ إذ تمنح المتعاملين ثقة تامة في صحة تصرفاتهم العقارية والمالية والشخصية، وتحدّ من النزاعات القضائية من خلال توفير دليل إثباتي قاطع يصعب اختراقه إلا عبر استثائية الطعن بالزور، إلا أن المحرر الرسمي اليوم الصادر عن عدل الإشهاد أصبحت تعوقه العديد من العراقيل والصعوبات من قبيل إلزامية الجليس ومسك دفاتر وسجلات ورقابة شبه تعسفية أحيانا وغيرها، ما يؤسس حرص منتسبي القطاع إلى المطالبة بالتسريع في استصدار قانون جديد للمهنة يقطع مع كل هذا .

إرسال تعليق