الذخيرة القانونية

موقع يتعلق بالقانون التونسي

random

آخر الأخبار

random
جاري التحميل ...

الاختصاص العادي المؤسّس على المعطى الذّاتي لأطراف النّزاع

الاختصاص العادي المؤسّس على المعطى الذّاتي لأطراف النّزاع

يتأسّس الاختصاص الدّولي للمحاكم الوطنيّة على عناصر ذاتيّة تتعلّق بالمعطيات الشّخصيّة لأطراف النّزاع في صورتين: صورة أو لى ينعقد فيها الاختصاص لصالح المحاكم الوطنيّة إذا كان المدّعى عليه مقيما بالبلاد التّونسيّة (فقرة أو لى)، وصورة ثانية تمثّل فيها الإرادة معيارا لانعقاد الاختصاص الدّولي للمحاكم الوطنيّة(فقرة ثانية).

 

الفقرة الأولى: الاختصاص المبدئي: إقامة المدّعى عليه بالإقليم التونسي
< br />
يمثّل مكان إقامة المدّعى عليه حجر الزّاوية بالنّسبة لمادة الاختصاص القضائي وذلك في القانون الدّاخلي وفي القانون الدّولي الخاص. وعلى هذا الأساس تختصّ بالنظر في الدّعاوى الموّجهة ضد الشخص الطبيعي المحكمة التي يوجد بدائرتها مكان إقامة المدّعى عليه وبالنّسبة للشخص الاعتباري المحكمة التي يوجد بدائرتها المقرّ الاجتماعي لهذا الصّنف من أشخاص القانون الخاص[1].
وقد كرّست مجلّة القانون الدّولي الخاص هذا الاختصاص المبدئي لصالح المحاكم الوطنيّة "في النّزاعات المدنيّة والتّجاريّة بين جميع الأشخاص مهما كانت جنسيتهم إذا كان المطلوب مقيما بالبلاد التّونسيّة"[2]. وأكّدت أحكام الفصل 3 من م.ق.د.خ نفس قاعدة الاختصاص الدّولي الّتي تضمّنها الفصل الثاني من مجلة المرافعات المدنيّة والتّجاريّة في فقرته الاولى والّذي أقرّ بصفة ضمنيّة الاختصاص الدّولي للمحاكم الوطنيّة في صورة إقامة المدّعى عليه بالإقليم الوطني.
وبذلك يكمن التّجديد الذي جاءت به مجلة القانون الدّولي الخاص في وضوح الحلّ الذي تضمّنته، لأنّه كان من الضّروري القيام بعمليّة تاويليّة بالنّسبة للفصل الثاني من مجلّة المرافعات المدنيّة والتّجاريّة للوصول إلى إقرار اختصاص المحاكم التّونسيّة المؤسّس على إقامة المدّعى عليه بالبلاد التّونسيّة[3]. وانطلاقا من أحكام الفصل 3 م.ق.د.خ تختصّ المحاكم الوطنيّة بالنّزاعات الموجّهة ضدّ المدعى عليه المقيم بالبلاد التّونسيّة وذلك مهما كانت جنسيّة الأطراف ومهما كان موضوع النّزاع[4].
يتأسّس إذن الاختصاص القضائي للمحاكم الوطنيّة في المادة الدّوليّة على القاعدة الأصوليّة التي مفادها مقاضاة المدّعى عليه بمكان إقامة "Actor sequitor forumrei" وذلك امتدادا لنفس القاعدة المعمول بها في مادّة الاختصاص التّرابي الدّاخلي سواء تعلّق الأمر بالشخص الطبيعي أو بالذات الاعتباريّة [5]. ويقتضي تحديد مجال اختصاص المحاكم الوطنيّة على المستوى الدّولي استنادا إلى إقامة المدّعي عليه بالإقليم الوطني الوقوف عند مفهوم المقرّ(أ)، وبيان أسسه (ب)، للانتهاء إلى ضبط مجال تطبيق هذا المبدأ الأساسي(ج).

أ‌-       مفهوم المقرّ

يقتضي المبدأ الأصولي في القانون القضائي الخاص أن يرفع المدّعي دعواه أمام محكمة مكان إقامة المدّعى عليه. وتعتمد غالبيّة التشريعات المقارنة هذا الأساس العالمي والمتواصل للاختصاص القضائي [6]. ويمثّل المقرّ مفهوما رئيسيّا يمكّن من ربط العلاقة بين الشّخص والدّولة التي يقيم بها. لكنّ هذا المفهوم يتميّز بصبغته الوظيفيّة والتي تجعله يتغيّر حسب الاستعمالات التي يقع إعداده لها . ويعتبر الأستاذ LEVASSEUR أنّه لا وجود لمفهوم موحّد ومتناسق للمقرّ، بل توجد مفاهيم متعدّدة للمقرّ[7].
 ويجمع الفقهاء على أنّ المقرّ هو  عنصر أساسي لتوطين الشّخص من النّاحية الجغرافيّة كما يمثّل عنصرا من العناصر المحددة لهوّيته[8]." ويبقى المقرّ في معنى قانون الإجراءات صنفا قانونيّا عاديّا يقع الرّجوع إليه لتحديد المكان الذي يوجد فيه قانونا الشخص حيث يفترض أن يقع العثور عليه فيه" [9].
وتفيد القوانين المقارنة إمكانية اعتماد مفهومين للمقرّ: مفهوم واقعي ومفهوم حكمي[10]. إذ تعتمد النظريّة الحكميّة على الرّابطة المجرّدة التي تقوم بين شخص ومكان معيّن قانونا، أي أنها "تفترض اعتباريا وجود مقرّ في مكان معيّن دون أن يستند هذا المكان إلى حقيقة واقعيّة أو دون التأكد من أنّ هذا المكان هو  المركز الحقيقي لنشاط الشّخص..."[11]. بينما يقصد بالمقرّ في مفهومه الواقعي المكان الذي يقيم فيه الشخص عادة. لذلك فإن جوهر المقرّ في هذه النّظريّة هو  الرّابطة الواقعيّة التي تقوم بين الشخص ومكان إقامته . فتهتمّ هذه النّظريّة بالحالة الواقعيّة إذ يقتصر المقرّ هنا على تحديد المكان الذي يقيم فيه الشخص عادة. وعلى عكس التصوّر الحكمي الذي يعتمد وحدة المقرّ، يقبل التّصوّر الواقعي بتعدّد المقرّات كما يقبل بانعدامه باعتباره الإقامة المعتادة والمستقرّة فإذا لم يكن للشخص مكان يقيم فيه فلا مقرّ له[12].
لقد أخذ المشرّع التّونسي بالنّظريّة الواقعيّة للمقرّ إذ اِعتبر صلب الفصل 7 م.م.م.ت أنّ " المقرّ الأصلي للشخص هو  المكان الذي يقيم فيه عادة والمكان الذي يباشر فيه الشّخص مهنته أو تجارته يعتبر مقرّا أصليّا له بالنّسبة للمعاملات المتعلّقة بالنّشاط المذكور".
 يستشف من التعريف التشريعي للمقرّ اعتماده على العناصر الواقعيّة والمتمثّلة في الإقامة الفعليّة والاستقرار. وقد ترك المشرّع بذلك المجال مفتوحا أمام اجتهاد المحاكم في تقدير مدى توفّر المقرّ من عدمه.
تجعل الصّبغة الواقعيّة لمفهوم المقرّ مسألة تحديد عناصره المعتمدة راجعة للاجتهاد المطلق لمحاكم الأصل ، ذلك أن معياري الاستقرار والإقامة الفعليّة لا تعدوأن تكون سوى عناصر واقعيّة تستنتجها المحكمة من ملابسات القضيّة.
ويمكن القول أنّ الصبغة الواقعيّة لمفهوم المقرّ في القانون التّونسي تمثّل ضمانا لجديّة الترابط بين النظام القانوني التّونسي والنّزاع المعروض على المحكمة التّونسيّة المختصّة على أساس إقامة المطلوب بالبلاد التّونسيّة. فإقرار المحكمة التّونسيّة باختصاصها الدّولي، على أساس الفصل 3 من م.ق.د.خ واستنادا إلى التّعريف الواقعي للمقرّ ، يجعل عنصر الترابط المسند للاختصاص مؤسسا على رابطة حقيقيّة بين المدّعى عليه والنّظام القانوني التونسي نظرا لاشتراط إقامته الفعليّة بالإقليم التّونسي .
وفي المقابل، فإن الأخذ بالواقع يجعل من انعدام مقرّ المطلوب بالإقليم سببا لإعلان المحكمة التّونسيّة المتعهّدة بالنّزاع عن عدم اختصاصها دوليّا للنظر فيه. ويكون ذلك في صورة عدم إمكانية ربط النّزاع الدّولي بالنظام القانوني التّونسي باعتماد المعايير الأخرى المسندة للاختصاص الواردة بمجلّة القانون الدولي الخاص.
 وتجدر الملاحظة أنّ القانون الفرنسي تبنّى مفهوما مجرّدا للمقرّ إذ عرّفه الفصل 102 من المجلّة المدنيّة على أنّه المكان الذي يتواجد به "مركز الأعمال الأساسي للشخص".
ويعتبر الفقه أن المقرّ هو  الرّباط الذي يجمع الشّخص بمكان معيّن وذلك بالنّظر إلى مكان تجمّع مصالحه المهنيّة والعائليّة، ومن النّاحية الواقعية يمثل المقرّ المكان الذي يتواجد فيه الشخص بصفة متواصلة وفعليّة[13]. ويقع هنا التمييز بين مفهوم الإقامة التي تنبني على واقع وجود الشخص بمكان معيّن والمقرّ باعتباره مفهوما قانونيّا يعتمد على المكان الذي يفترض أن يتواجد به الشّخص.
 لكن تنعدم أهميّة هذا التمييز على المستوى الدولي حيث يدعوالفقه إلى ضرورة الأخذ بالمفهوم الواقعي للمقرّ في تحديد المحكمة المختصّة دوليّا. فمن الضروري إذن التخلّي عن هذا التمييز المتشدّد بين مفهومي المقرّ والإقامة واعتماد المفهوم المرن والواقعي المتمثّل في الإقامة الاعتياديّة للشخص[14]. ويمتاز مفهوم الإقامة مقارنة بالمقرّ بالوضوح والدّقة بما يتماشى مع مصالح المدّعي ومصالح المدّعى عليه. فيتمكّن هذا الأخير بمكان إقامته من الإعداد الجيّد لوسائل دفاعه بينما يجد المدّعي في هذا المكان أموال المدعى عليه[15]. وانطلاقا من هذا المفهوم الموحّد كرّس فقه القضاء الفرنسي معيار المقرّ كأساس للاختصاص القضائي الدّولي[16].
ويعتبر الفقهاء أنّ اختصاص محكمة مكان إقامة المطلوب على المستوى الدولي يمثل امتدادا لنظريّة القاضي الطبيعي[17]. وفي نفس الوقت، يعتبر تبنّي المشرع التونسي لعنصر المقر كسند للاختصاص الدّولي للمحاكم الوطنية تجسيدا لهيمنة الأساس الإقليمي على نظرية الاختصاص القضائي الدّولي.
 ويؤكد ذلك ارتقاء مبدأ الإقليمية كضابط لإسناد الاختصاص الدّولي للمحاكم الوطنية إلى مرتبة المبدأ العام السّائد في القانون الدّولي الخاص[18]. وترجع هذه الأهميّة الكبرى التي يتمتع بها معيار المقر في مجال الاختصاص الدّولي إلى إيجابياته المتعددة.

ب - أساس المبدأ
يمثل مكان إقامة المطلوب في نفس الوقت أساسا لإسناد الاختصاص الدّولي للمحاكم الوطّنية وقاعدة للاختصاص الدّاخلي تمكن من تحديد المحكمة المختصة ترابيا.
وقد اِعتمد الفقه في مرحلة أو لى على مبدأ السيّادة لتبرير اختصاص المحكمة التي يقيم بدائرتها المدعى عليه[19]. وبذلك تعتبر قاعدة الاختصاص المؤسسة على فكرة الإقامة تكريسا لسيادة الدّولة. ولكنّ الفقه الحديث تجاوز هذا التبرير[20] المستلهم من القانون العام معتمدا على اعتبارات إجرائية بالأساس لتبرير المبدأ.
ويمكن القول في هذا الإطار أن مبدأ اختصاص محكمة مكان إقامة المطلوب يحقق هدفين رئيسيين: أو لهما ضمان حسن تنظيم مرفق القضاء(2)، وثانيهما تحقيق رفاهة الأطراف La commodité des parties (1).
1 - تحقيق رفاهة الأطراف
يرجع إسناد الاختصاص القضائي إلى محكمة مكان إقامة المطلوب إلى الاعتبار المتعلق بحماية الطرف الذي ترفع الدّعوى ضدّه [21]. إذ يتمتّع المدّعى عليه بقرينة مزدوجة تبقى قائمة مادام القضاء لم يفصل بعد في النّزاع : تفيد القرينة الاولى أن كل شخص يبقى بريء ما لم يثبت المدّعي وجود الالتزام في حقّه[22]. أما القرينة الثانية فتقتضي المحافظة على ظاهر الأمور فالمبدأ "بقاء ما كان على ما كان وعلى من ادّعى تغييره الإثبات[23]". لذلك فمن المنطقي أن يقع إلزام كلّ من يرغب في دحض هذه القرينة المزدوجة بأن يقوم بذلك أمام المحكمة التي يقيم بدائرتها المدّعى عليه، بما يجعل المدّعي متَحمّلا لجهد التنقل ومصاريفه. ويتأكّد هذا الأساس بالنسبة للنزاعات الدّوليّة لأنّها تضمّ أطرافا عادة ما يوجدون بدول مختلفة[24].
على أن قاعدة اختصاص محكمة مقر المطلوب لا تقتصر على حماية هذا الأخير باعتبار أن حصول المدّعي عليه حكم في صالحه صادر عن محاكم الدّولة التي يقيم بها المدّعي عليه يعتبر إيجابيا بالنسبة له أيضا. ويرجع ذلك إلى تمتع هذا الحكم بفاعلية قصوى نتيجة لما لمحاكم هذا البلد من سلطة على الأشخاص والأموال الموجودين على إقليمها. فيتمكن بذلك المدّعي من تنفيذ الحكم الصادر لصالحه بنفس البلد دون أن يكون ملزما بطلب إكساء هذا الحكم بالصيغة التنفيذية في بلد آخر[25].
2 – ضمان حسن تنظيم مرفق القضاء
تهدف قواعد الاختصاص القضائي إلى ضمان حسن سير مرفق القضاء. لذلك يبدو  من الضروري إسناد الاختصاص إلى المحكمة الأكثر قدرة على القيام بالوظيفة القضائية. وتفترض هذه الوظيفة حماية السلم العامّة من خلال فض النزاعات وتحقيق الحماية الكافية للحقوق[26].
ويمكّن مقر المدّعى عليه بوصفه عنصر ترابط من توطين النزاع على أساس مكان تواجد الأشخاص. ونظرا لكون العلاقات القانونية تنشأ بين أشخاص فإنّه من المنطقي أن يقع توطينها باعتماد مكان تواجد هؤلاء[27]. pan>
وفي هذا الإطار يتنزل إسناد الاختصاص الدّولي إلى المحاكم الوطنية على أساس إقامة المطلوب بالبلاد التونسية لأنه يأخذ بعين الاعتبار مكان تركّز مصالح المدّعى عليه وأمواله بما يسّهل عمليات الإثبات والتحقيق في الدّعوى. لذلك يجب أن تكون المحكمة قريبة من الأطراف، ومن عناصر الإثبات ومن موضوع النزاع بما ييسّر قيامها بوظيفتها القضائية.
كما يعبّر اعتماد عنصر المقر عن قوّة الترابط بين النزاع والنظام القانوني للدّولة التي يوجد بها مقر المطلوب. ويفرض ذلك تدخل محاكم تلك الدولة لتقوم بوظيفتها القضائية الأساسية وهي فض النزاعات وحماية السلم العامّة[28].

فهل تتماشى تطبيقات المبدأ مع تبريراته؟

ج – تطبيق المبدأ
ينص الفصل الثالث من مجلة القانون الدّولي الخاص بأنّه: "تنظر المحاكم التونسيّة في النزاعات المدنية والتجارية بين جميع الأشخاص مهما كانت جنسيتهم إذا كان المطلوب مقيما بالبلاد التونسيّة".
ويقتضي تطبيق هذه القاعدة ضبط مجالها من حيث الأشخاص الخاضعين لها من جهة (1) ومن حيث الدّعاوى المتعلقة بها من جهة أخرى (2).
1 - مجال القاعدة من حيث الأشخاص
يشمل مجال الاختصاص الدّولي للمحاكم الوطنية المؤسس على إقامة المدّعى عليه بالإقليم الوطني الدّعاوى الموجهة ضد الشخص الطبيعي وضد الشخص الاعتباري على حد سواء.
·                    الأشخاص الطبيعيون
يتحدد اختصاص المحاكم الوطنية في النزاعات الدّولية بتوفر عنصر الترابط المتمثل في إقامة الشخص الطبيعي بالإقليم الوطني. ويكفي أن يكون الشخص المطلوب مقيما بالبلاد التونسية لتقرّ المحاكم الوطنية باختصاصها للنظر في الدّعاوى الموجهة ضّده. فلا يشترط أن يتوفر عنصر ترابط آخر للإقرار بالاختصاص لصالح المحاكم الوطنية[29].
كما أن اختصاص المحاكم الوطنية المؤسس على إقامة المطلوب بالإقليم الوطني لا يتأثر بجنسية أطراف النّزاع[30]. لذلك ينطبق مبدأ الاختصاص القائم على وجود مقر المطلوب بالبلاد التونسية على النزاعات الدائرة بين الأجانب وبين الأجانب والتونسيين.
ويجسّد هذا المبدأ فكرة المساواة القانونية بين الوطنيّين والأجانب فيما يتعلق باختصاص القاضي على المستوى الدّولي. فإذا توفر شرط إقامة المدعى عليه بتونس يمكن مقاضاة طرفين أجنبييّن أمام القضاء الوطني عملا بأحكام الفصل 3 م.ق.د.خ.
وعلى خلاف ذلك يؤدي غياب مقر للمطلوب بالبلاد التونسية إلى نفي اختصاص المحاكم الوطنية للنظر في النزاع الدّولي المعروض عليها. ويتمتع مبدأ الاختصاص الدّولي المؤسس على فكرة إقامة المطلوب بأهمية كبرى داخل منظومة الاختصاص الدّولي التي أسستها مجلة القانون الدّولي الخاص. في حين لا يلقى هذا المبدأ نفس القيمة في التشريعات المقارنة كالقانون الفرنسي والذي يقيم تمييزا بين الوطنيّين والأجانب. فقد أعطى الفصلان 14 و15 من المجلة المدنية الفرنسية امتيازا قضائيا على أساس الجنسية لصالح الوطنيّين.ويتمكّن بذلك الطرف الفرنسي من التقاضي لدى المحاكم الفرنسية رغم عدم إقامته بالإقليم الفرنسي وذلك سواء كان في وضعية المدعي أو في وضعية المدعى عليه[31].
وتعرضت فكرة الاختصاص القضائي الدّولي المؤسس على رابطة الجنسية للنقد من قبل الفقه. فاعتبر بعض الفقهاء أن الفصلين 14 و15 من المجلة المدنية الفرنسية يمثلان تصورا قوميا للاختصاص القضائي الدّولي[32] كما يرى جانب الفقه الفرنسي أنّه من الغريب أن يتمكن المدّعي الفرنسي من مقاضاة المدعى عليه المقيم بدولة بعيدة أمام المحاكم الفرنسية بما يجعل هذا الحل استثنائيا وعديم الجدوى[33].
يشهد في المقابل، الاختصاص الدولي للمحاكم الوطنية المؤسس على رابطة الإقامة بعد أن خلّصته مجلة القانون الدولي الخاص من منافسة رابطة الجنسية اتساعا في مجال تطبيقه ليشمل كل شخص طبيعي مقيم بالبلاد التونسية مهما كانت جنسيته. ويكرّس هذا التوجه التحرري للمشرع التونسي مفهوما موسّعا للحق  في التقاضي. وهو ما يمكّن جميع المتقاضين من الالتجاء إلى مرفق القضاء بنفس الشروط ودون تمييز على أساس الجنسية[34].
 ويسمح عنصر الإقامة -في نفس الوقت- بإسناد الاختصاص الدّولي للمحاكم الوطنية وبتحديد المحكمة المختصة ترابيا على المستوى الداخلي باعتبارها المحكمة التي يوجد بدائرتها الترابية مقر المطلوب[35]. أمّا فيما يتعلق بزمن تقدير وجود عنصر الإقامة فإن القاضي يقوم بالتثبت من وجود إقامة المطلوب بالإقليم الوطني زمن تقديم الدّعوى[36] دون أن يكون لتغيير عنصر الإقامة الطارئ أثناء نشر القضية تأثير على الاختصاص الدّولي للمحاكم الوطنية عملا بمبدأ استقرارية عناصر النزاع المقترن بمبدأ استقرارية الاختصاص القضائي[37].
كما يطبّق القاضي الوطني القانون التونسي لتحديد مفهوم المقر المسند للاختصاص القضائي الدّولي في صورة وجود تنازع حول هذا المفهوم. ويرجع هذا الحل إلى الطبيعة الإجرائية لمادة الاختصاص القضائي. ذلك أنّ مادة الإجراءات تخضع لقانون المحكمة المتعهدة بالنزاع[38].
وعلى هذا الأساس يعتمد القاضي الوطني التكييف المحلي للعناصر المحددة لمفهوم المقر كأساس لإسناد الاختصاص الدّولي للمحاكم الوطنية[39]. لذلك أقرّ فقه القضاء الوطني مبدأ اختصاص قانون المحكمة لتحديد المقر المسند للاختصاص القضائي الدّولي. فاعتبرت المحكمة الابتدائية بتونس في حكمها الصادر بتاريخ 25 فيفري 1959 أن تعريف عناصر الإسناد التي اعتمدتها قاعدة الإجراءات التونسية يخضع للقانون التونسي[40].
وتجدر الإشارة هنا إلى أن غياب مفهوم للمقر خاص بالعلاقات الدولية يجعل من الضروري الرجوع إلى أحكام القانون الداخلي لتحديد مفهوم المقر المسند للاختصاص الدولي للمحاكم الوطنية. ولقد تبنى المشرع التونسي في الفصل 7 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية مفهوما واقعيا وتعدّديا للمقر. فيمتاز المقر في مادة الإجراءات المدنية بعدم وحدة مفهومه، فنجد إلى جانب المقر الأصلي العام المقر الأصلي الخاص والمقر المختار. وتمكّن هذه المفاهيم المختلفة للمقر من إسناد الاختصاص القضائي الدولي بصفة مستقلة[41].
ويمكن إذن أن تستند المحاكم الوطنية لوجود المقر الأصلي العام للمدّعى عليه بالإقليم الوطني لإقرار اختصاصها في النزاعات الدّولية. ويعرّف المقر الأصلي العام بوصفه "المكان الذي يقيم فيه الشخص عادة وهو مقر سكناه فهومقره العادّي والمتواصل والفعلي"[42].
ويشترط في المقر باعتباره مكان الإقامة العاديّة للشخص أن يتوفر على عنصري الاستمرارية والتواصل ليكون صالحا لتأسيس الاختصاص الدّولي للمحاكم الوطنية.
كما يمكن أن يمثل المقر الأصلي الخاص أو المهني أساسا للاختصاص الدولي للمحاكم الوطنية إذا كان للشخص المطلوب مركز للمعاملات المهنية والتجارية بالبلاد التونسية. والمقر الأصلي الخاص هو  "المكان الذي يباشر فيه الشخص مهنته أو تجارته ويعتبر مقرا أصليا بالنسبة للمعاملات المتعلقة بالنشاط المذكور"[43].
ولذلك تخضع النزاعات الدولية الناشئة بمناسبة ممارسة نشاط مهني معين بالإقليم الوطني لولاية المحاكم الوطنية. لكن هذا الاختصاص يقتصر على العلاقات المهنية للشخص المدّعى عليه ولا يتجاوزها إلى نزاعات الحياة الخاصة التي تبقى خاضعة للاختصاص المؤسس على مكان المقر الأصلي العام[44].
كما يقبل القانون التونسي أن يكون للشخص مقرا مختارا وهو المقر الخاص ببعض المعاملات والتصرفات والذي تحدده الأطراف اختياريا. ويكون المقر المختار خاصا بالتزامات معينة بالذات فيقتصر على عمل قانوني[45] أو  "يعينه القانون أو الاتفاق (...) للقيام بعمل قضائي معين"[46].
ويمثل إسناد الاختصاص القضائي على أساس المقر المختار الأثر الرئيسي لهذه المؤسسة. فيمكن إذن مقاضاة الشخص الذي له مقر مختار بالإقليم الوطني أمام المحاكم الوطنية[47].
·                    الذوات المعنوية
يتأسس اختصاص المحاكم الوطنية بالنسبة للذوات المعنوية إذا وجد المقر الفعلي للذات المعنوية المدعى عليها بالبلاد التونسية. كما تختص المحاكم الوطنية بالنزاعات المتعلقة بالذات المعنوية التي لها فرع يمثلها بالبلاد التونسية.
ويستنتج هذا الحل في القانون التونسي من أحكام القانون الداخلي والتي تجد تطبيقا لها على المستوى الدّولي[48]
حيث نص الفصل 33 م.م.م.ت. أن "الدّعاوى الموجهة على الجمعيات وعلى الشركات والخلافات المتعلقة بتصفيتها أو قسمة مكاسبها والخلافات الواقعة بين الشركاء أو مديري الشركة أو الشركاء ترفع للمحكمة التي يقع بدائرتها مقر الجمعية أو الشركة أو مقر فروعها أو نيابتها الذين يهمّهما الأمر" .
كما يعرف الفصل 18 من المجلة التجارية مقر الشركة باعتباره مركزها الرئيسي ويكون هذا المركز كائنا بالمحل الذي به قيام الإدارة الفعلية للشركة."
ولقد حافظ المشرع التونسي على نفس التصور الواقعي لمقر الشركات عند إصداره لمجلة الشركات التجارية بموجب القانون عـدد 93 لسنة 2000 المؤرخ في 3 نوفمبر 2000 والتي جاء بفصلها العاشر ما يلي : "يقع مقر الشركة بمركزها الرئيسي ويكون هذا المركز كائنا بالمحل الذي به قيام الإدارة الفعلية للشركة". ويبرر الاختصاص الدولي للمحاكم الوطنية المؤسس على وجود المقر الاجتماعي للذات الاعتبارية بالإقليم الوطني باعتبارات عملية وإجرائية بالخصوص. إذ يمثل المقر الرئيسي للذات الاعتبارية مكان تركز نشاطها ومصالحها الأساسية وهو المكان الذي تنشط فيه هياكلها وتتخذ فيه القرارات التي تهم الذات المعنوية. وتساعد هذه المعطيات على تسهيل سير الدّعوى والقيام بعمليات الإثبات.
ويشترط فقه القضاء الفرنسي لقبول المقر الاجتماعي كأساس للاختصاص الدولي اصطباغه بالواقعية والجدية أي أن يكون فعلا مركز لاتخاذ القرار[49].
واستنادا إلى نظرية المقر الاجتماعي الواقعي يمكن للمحاكم الوطنية أن تقبل اختصاصها للنظر في نزاعات الشركة إذا كان مقرها الاجتماعي الكائن بدولة أجنبية وهميا وإذا تبين أنّ مركز اتخاذ القرار يقع بالبلاد التونسية. ويمكّن هذا التصور الموضوعي لمقر الذات المعنوية كمعيار لإسناد الاختصاص للمحاكم الوطنية من توسيع مجال هذا الاختصاص ليشمل النزاعات التي تهم فرع الشركة أو الذات المعنوية الموجود بالبلاد التونسية.
وقد أقر القانون التونسي صلب الفصل 33 م.م.م.ت. بدور فرع الذات المعنوية أو نيابتها -كمقر خاص- في إسناد الاختصاص الدولي للمحاكم الوطنية.
وبذلك تختص المحاكم الوطنية بالنزاعات التي تهم الذات المعنوية المطلوبة رغم تواجد مقرها الرئيسي بالخارج شريطة أن يكون لها فرع بالإقليم الوطني.
على أن إسناد الاختصاص الدولي للمحاكم الوطنية للنظر في النزاعات التي تهم ذاتا معنوية على أساس وجود أحد فروعها بالإقليم الوطني يقتضي توفر شروط في هذا المعيار المسند للاختصاص تمكن من إضفاء الجدية عليه.
ويشترط لقيام الاختصاص أن يتعلق النزاع بفرع يتمتع باستقلالية تجاه الشركة الأم. كما يجب أن يتعلق النزاع بعملية أجراها فرع الشركة أو نيابتها[50].
كما يشترط لانعقاد الاختصاص الدولي لصالح المحاكم الوطنية أن يتعلق النزاع بعملية أجريت مع فرع الشركة الموجود بالإقليم الوطني[51]. ويكفي غياب أحد الشرطين المذكورين للرجوع إلى القاعدة العامة للاختصاص والتي تسند النظر في نزاعات الذوات المعنوية إلى محاكم الدولة التي يوجد بإقليمها المقر الرئيسي للذات المعنوية.
وتجدر الملاحظة أنه بتوفر الشروط المذكورة بالنسبة لمقر الفرع يمكن مقاضاة الذات المعنوية أمام المحاكم المختلفة التي توجد بدوائر اختصاصها فروع مستقلة للذات المعنوية المعنية. ويعتبر هذا التوجه تكريسا لفقه القضاء الفرنسي الذي سعى إلى توسيع مجال الاختصاص القضائي اعتمادا على نظرية المحطات الرئيسية شريطة أن يتعلق النزاع بعملية أبرمها الفرع مع المدعي أو أن يتمتع نفس الفرع بوجود مستقل وسلطة اتخاذ القرار[52].
يتضح من خلال ما تقدم أن مجال تطبيق القاعدة من حيث الأشخاص متسع بصفة تؤكد الدور الذي يقوم به المقر على مستوى الاختصاص الدولي ويتأكد ذلك بالنسبة للدعاوى الخاضعة لهذا المبدأ.

2 - الدعاوى المشمولة بمبدأ اختصاص المحاكم الوطنية على أساس المقر الموجود بالبلاد التونسية
يقر الفصل3 م.ق.د.خ باختصاص المحاكم الوطنية دوليا على أساس إقامة المطلوب بالإقليم الوطني في النزاعات التجارية والمدنية. وبذلك يمكن القول أن المشرع أعطى اختصاصا موسعا للمحاكم الوطنية للنظر في النزاعات الدولية المرفوعة ضد الشخص المقيم بالبلاد التونسية.
لـذلك يشمل الاختصاص الدولي للمحاكم الوطنية جملة من الدعاوى المتنوعة والتي تهم النزاعات المتعلقة بالحالة المدنية والشخصية للأشخاص.
كما تخضع للاختصاص الدولي للمحاكم الوطنية المؤسس على إقامة المطلوب بالإقليم الوطني الدعاوى الشخصية الناتجة عن الالتزامات التعاقدية وغير التعاقدية (المسؤولية التقصيرية) والتي عرّفها الفصل 20 م.م.م.ت في فقرته الاولى باعتبارها "الدعاوى المبنية على التزام شخصي مصدره القانون أو العقد أو شبه العقد أو الجنحة أو شبه الجنحة".
لكن الطبيعة الخصوصية لبعض النزاعات تجعل من الاختصاص المؤسس على إقامة المطلوب بالإقليم الوطني غير ملائم أو عديم الجدوى. لذلك يقر المشرع التونسي في بعض النزاعات حالات اختصاص إقصائي لصالح المحاكم الوطنية دون الأخذ بعين الاعتبار لمكان إقامة المطلوب. من ذلك أن المشرع التونسي أسند اختصاصا إقصائيا للمحاكم الوطنية في الدعاوى المتعلقة بعقارات كائنة بالبلاد التونسية[53].
ويطرح هنا إشكال يتعلق بتحديد مدى خضوع الدعاوى الشخصية المبنية على حقوق عينية عقارية للاختصاص المبدئي المؤسس على إقامة المطلوب بالدائرة الترابية لإحدى المحاكم الوطنية.
 يمكن القول في هذا الإطار أن الطبيعة الشخصية للدعوى على معنى الفصل 20 م.م.م.ت تجعل من الضروري إلحاقها ضمن حالات الاختصاص المؤسسة على إقامة المطلوب بالإقليم الوطني.
ويتدعم هذا التاويل بالرجوع إلى أحكام القانون الداخلي والذي أخضع الدعاوى المختلطة المستندة إلى عقارات إلى نفس قواعد الاختصاص التي تحكم الدعاوى الشخصية أي إلى الاختصاص المبدئي للمحكمة التي يوجد بدائرتها الترابية مكان إقامة المطلوب. وقد ورد تكريس هذه القاعدة بصفة صريحة بالقانون التونسي صلب الفصل 20 م.م.م.ت في فقرته الأخيرة والتي عرّفت الدعاوى المختلطة بأنها "الدعاوى المبنية في آن واحد على حق عيني عقاري وحق شخصي (...) وتلحق من حيث مرجع نظرها بالدّعاوى الشخصية، إذا كان العيني العقاري غير متنازع فيه."
وفي صور أخرى يؤدي الأخذ بالعنصر الذاتي الإرادي إلى اختصاص المحاكم الوطنية دوليا رغم غياب مقر للمطلوب على الإقليم الوطني


خ.

عن الكاتب

الذخيرة القانونية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

الذخيرة القانونية